فهرس الكتاب
هذا ما ذَكَرَه المصنِّفُ، وأُورِدَ عليه أنه نَقَصَ مواضِعَ يَجِبُ كَسْرُ (إنَّ) فيها:
الأَوَّلُ: إذا وَقَعَتْ بعدَ (أَلاَ) الاستفتاحيَّةِ، نحوُ: (أَلاَ إِنَّ زيدًا قائمٌ) ، ومنه قولُه تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} .
الثاني: إنْ وَقَعَتْ بعدَ (حيثُ) ، نحوُ: (اجْلِسْ حَيْثُ إِنَّ زَيدًا جَالِسٌ) .
الثالثُ: إذا وَقَعَتْ في جملةٍ هي خبرٌ عن اسمِ عَيْنٍ، نحوُ: (زيدٌ إنه قائِمٌ) .
ولا يَرِدُ عليه شيءٌ مِن هذه المواضِعِ؛ لِدُخُولِها تحتَ قولِهِ: (فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا) ؛ لأنَّ هذه إنما كُسِرَتْ لكونِها أَوَّلَ جُمْلَةٍ مُبْتَدَأً بها.
بعدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ ... لاَ لامَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي [1]
مَعْ تِلْوِ فَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ ... فِي نَحْوِ (خَيْرُ القَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ) [2]
يعني أنه يَجُوزُ فتحُ (إنَّ) وكَسْرُها إذا وَقَعَتْ بعدَ (إذا) الفُجَائِيَّةِ، نحوُ: (خَرَجْتُ فإذا إنَّ زيدًا قائِمٌ) ، فمَن كَسَرَها جَعَلَها جملةً، والتقديرُ: (خَرَجْتُ فإذا زيدٌ قائمٌ) . ومَن فَتَحَها جَعَلَها معَ صِلَتِها مَصدرًا، وهو مبتدأٌ خَبَرُه (إذا) الفُجائيَّةُ، والتقديرُ: (فإذا قِيامُ زيدٍ) ؛ أي: ففي الحَضْرَةِ قِيَامُ زيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ الخبرُ محذوفًا والتقديرُ: (خَرَجْتُ فإذا قيامُ زيدٍ موجودٌ) [3] ، ومِمَّا جاءَ بالوجهيْنِ قولُه:
(1) (بعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (نُمِي) في آخِرِ البيتِ، وبعدَ مضافٌ و (إذا) مضافٌ إليه، وإذا مُضافٌ و (فُجَاءَةٍ) مضافٌ إليه، وهي من إضافةِ الدالِّ إلى المدلولِ، (أو) حرفُ عطفٍ، (قَسَمِ) معطوفٌ على إذا، (لا) نافيةٌ للجِنْسِ، (لامَ) اسْمُها، (بعدَه) بعدَ: ظرفٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ لا، وبعدَ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، وجملةُ لا واسْمِها وخَبَرِها في محلِّ جرٍّ نعتٌ لِقَسَمِ، (بِوَجْهَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (نُمِي) الآتي، (نُمِي) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى همزِ إنَّ.
(2) (مَعْ) ظرفٌ معطوفٌ على قولِه: (بعدَ) السابقِ بعاطفٍ مقدَّرٍ، ومعْ مضافٌ و (تِلْوِ) مضافٌ إليه، وتلوِ مضافٌ و (فَا) قُصِرَ للضرورةِ: مضافٌ إليه، وفا مضافٌ و (الجَزَا) قُصِرَ للضرورةِ أيضًًا: مضافٌ إليه، (ذا) اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، (يَطَّرِدُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على اسمِ الإشارةِ، والجملةُ في محَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (في نَحْوِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيَطَّرِدُ، (خَيْرُ) مبتدأٌ، وخيرُ مضافٌ و (القولِ) مضافٌ إليه، (إني) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (أَحْمَدُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، وجملةُ المضارعِ وفاعلِه في محَلِّ رفعٍ خبرُ إنَّ، وجملةُ إنَّ ومَعْمُولَيْهَا في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (نحوِ) إليه.
(3) هذان الوجهانِ اللذانِ جَوَّزَهُما المؤلِّفُ على تقديرِ فتحِ همزِ أنَّ بعدَ إذا الفُجائيَّةِ مبنيانِ على الخلافِ في إذا الفجائيَّةِ: أهي حرفٌ أم ظرفٌ؟ (انْظُرْ ص 244 وما بعدَها) ، فمَن قالَ: هي ظرفٌ مكانِيٌّ أو زمانِيٌّ جعَلَها الخبرَ، وفتَحَ الهمزةَ، ومَن قالَ: هي حرفٌ أَجَازَ جَعْلَ إنَّ واسمِها وخبرِها جملةً أو جَعْلَها في تأويلِ مفردٍ، وهذا المفرَدُ إمَّا أنْ يكونَ خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، وإما أنْ يكونَ مبتدأً والخبرُ محذوفًا، فإنْ جَعَلْتَهَا جملةً كَسَرْتَ الهمزةَ، وإنْ جَعَلْتَها مفردًا فَتَحْتَ الهمزةَ.
والحاصِلُ أنَّ مَن قالَ: (إذا حرفُ مُفَاجَأَةٍ) - وهو ابنُ مالِكٍ - جازَ عندَه كَسْرُ همزةِ إنَّ بعدَها على تقديرِ أنَّ ما بعدَها جملةٌ تامَّةٌ، وجازَ عندَه أيضًًا فتحُ الهمزةِ على تقديرِ أنَّ ما بعدَها في تأويلِ مصدرٍ مبتدأٍ خبرُه محذوفٌ، أو خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، وأمَّا مَن جَعَلَ إذا ظَرفًا زمانِيًّا أو مكانيًّا فقد أَوْجَبَ فتحَ همزةِ أنَّ على أنها في تأويلِ مصدرٍ مبتدأٍ خبرُه الظرفُ قبلَه.
ومِن هنا يَتَبَيَّنُ لكَ أنَّ كلامَ الناظمِ وجعلَه (إنَّ) بعدَ (إذَا) ذاتَ وجهيْنِ لا يَتِمُّ إلا على مذهبِه، وهو أنَّ إذا الفُجائيَّةَ حرفٌ، أو على التلفيقِ مِن المذهبيْنِ: بأنْ يكونَ الفتحُ على مذهَبِ مَن قالَ بظَرْفِيَّتِها، والكسرُ على مذهَبِ مَن قالَ بحَرْفِيَّتِها، معَ أنَّ مَن قالَ بحَرْفِيَّتِها يجوِّزُ فيها الفتحَ أيضًًا.