الصفحة 234 من 811

الثاني: أنْ تَقَعَ (إنَّ) صَدْرَ صِلَةٍ، نحوُ: (جاءَ الذي إنه قائمٌ) ، ومنه قولُه تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ} .

الثالِثُ: أنْ تَقَعَ جَوَابًا لِلْقَسَمِ وفي خَبَرِها اللامُ، نحوُ: (واللهِ إِنَّ زَيْدًا لقائِمٌ) ، وسيأتي الكلامُ على ذلكَ.

الرابِعُ: أنْ تَقَعَ في جملةٍ مَحْكِيَّةٍ بالقولِ، نحوُ: (قُلْتُ: إنَّ زيدًا قائمٌ) ، قالَ تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} ، فإنْ لم تُحْكَ به، بل أُجْرِيَ القولُ مُجْرَى الظنِّ فُتِحَتْ، نحوُ: (أَتَقُولُ أَنَّ زَيدًا قَائِمٌ) ؟ أي: أَتَظُنُّ.

الخامِسُ: أنْ تَقَعَ في جُمْلَةٍ في موضِعِ الحالِ؛ كقولِهِ: (زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ) ، ومنه قولُه تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ، وقولُ الشاعرِ:

96 -مَا أَعْطَيَانِي وَلاَ سَأَلْتُهُمَا ... إِلاَّ وَإِنِّي لَحَاجِزِي كَرَمِي [1]

السادِسُ: أنْ تَقَعَ بعدَ فِعْلٍ من أفعالِ القلوبِ وقد عُلِّقَ عنها باللامِ، نحوُ: (عَلِمْتُ إنَّ زيدًا لقائمٌ) ، وسَنُبَيِّنُ هذا في بابِ (ظَنَّ) ، فإنْ لم يَكُنْ في خَبَرِها اللامُ فُتِحَتْ، نحوُ: (عَلِمْتُ أَنَّ زيدًا قائِمٌ) .

(1) البيتُ لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ، وهو كُثَيِّرُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ، من قصيدةٍ له يَمْدَحُ فيها عبدَ المَلِكِ بنَ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، وأخاه عبدَ العزيزِ بنَ مَرْوَانَ، وأوَّلُ هذه القصيدةِ قولُه:

دَعْ عَنْكَ سَلْمَى إِذْ فَاتَ مَطْلَبُهَا ... وَاذْكُرْ خَلِيلَيْكَ مِن بَنِي الْحَكَمِ

اللغةُ: (مَطْلَبُهَا) يجوزُ أنْ يكونَ ههنا مَصْدَرًا ميميًّا بمعنى الطلَبِ، ويجوزُ أنْ يكونَ اسمَ زمانٍ بمعنى وَقْتِ الطلبِ، والثاني أقربُ، (إلا) روايةُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ على أنها أداةُ استثناءٍ مكسورةُ الهمزةِ مُشَدَّدَةُ اللامِ، وروايةُ أبي العبَّاسِ المُبَرِّدِ بفتحِ الهمزةِ وتخفيفِ اللامِ على أنها أداةُ استفتاحٍ، وروايةُ سِيبَوَيْهِ أَعْرَفُ وأَشْهَرُ وأَصْلَحُ للدلالةِ على ما يُرَادُ من المعنى، (حَاجِزِي) ؛ أي: مانِعِي، وتقولُ: حَجَزَهُ يَحْجِزُهُ ـ مِن بابِ ضَرَبَ ـ إذا مَنَعَه وكَفَّهُ.

الإعرابُ: (ما) نافيةٌ، (أَعْطَيَانِي) أَعْطَى: فعلٌ ماضٍ، وألِفُ الاثنيْنِ فاعلٌ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ أوَّلُ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، والتقديرُ: ما أَعْطَيَانِي شَيْئًا، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، لا: نافيةٌ، (سَأَلْتُهُما) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أَوَّلُ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، وتَقْدِيرُهُ كالسابِقِ، (إلا) أداةُ استثناءٍ، والمستثنَى منه محذوفٌ؛ أي: ما أَعْطَيَانِي ولا سَأَلْتُهُما في حالةٍ من الأحوالِ، (وإني) الواوُ واوُ الحالِ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، والياءُ اسْمُها، (لَحَاجِزِي) اللامُ للتأكيدِ، حاجِزِ: خبرُ إنَّ، وحاجِزِ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، مِن إضافةِ اسمِ الفاعلِ إلى مفعولِه، (كَرَمِي) كَرَمِ: فاعلٌ بِحَاجِزِ، وكَرَمِ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، وجملةُ إنَّ واسْمِها وخبرِها في محلِّ نصبٍ حالٌ، هذه الحالُ في المعنى مُسْتَثْنَاةٌ مِن عمومِ الأحوالِ، وكأنه قالَ: ما أعطَيَانِي ولا سَأَلْتُهُما في حالةٍ من الأحوالِ إلا في هذه الحالةِ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (إلا وإني ... إلخ) حيثُ جَاءَتْ هَمْزَةُ (إنَّ) مكسورةً؛ لأنَّها وَقَعَتْ مَوْقِعَ الحالِ، وثَمَّتَ سببٌ آخَرُ في هذه العبارةِ يُوجِبُ كَسْرَ هَمْزَةِ (إنَّ) ، وهو اقترانُ خَبَرِها باللامِ، وقالَ الأَعْلَمُ (ج 1 ص 472) : (الشاهدُ فيه كسرُ إنَّ؛ لدخولِ اللامِ في خَبَرِها، ولأنَّها واقِعَةٌ موقِعَ الجملةِ النائبةِ منابَ الحالِ، ولو حَذَفَ اللامَ لم تَكُنْ إلاَّ مكسورةً لذلك) . اهـ.

ومثلُ هذا البيتِ قولُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} فـ (إنَّ) في هذه الآيةِ الكريمةِ مكسورةُ الهمزةِ وُجُوبًا؛ لسبَبَيْنِ، كلُّ واحدٍ مِنهما يَقْتَضِي ذلكَ على استقلالِه: وُقُوعِها مَوْقِعَ الحالِ، واقترانِ خَبَرِها باللامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت