الصفحة 243 من 811

إذا كانَ خَبَرُ (إنَّ) منفيًّا لم تَدْخُلْ عليه اللامُ، فلا تقولُ: (إنَّ زيدًا لَمَا يَقُومُ) ، وقد وَرَدَ في الشعرِ؛ كقولِه:

102 -وأَعْلَمُ إِنَّ تَسْلِيمًا وَتَرْكًا لَلاَ مُتَشَابِهَانِ وَلاَ سَوَاءُ [1]

(1) البيتُ لأبي حِزَامٍ ـ غالِبِ بنِ الحَارِثِ ـ العُكْلِيِّ.

اللغةُ: (إنَّ) إذا جَرَيْتَ على ما هو الظاهِرُ فالهمزةُ مكسورةٌ؛ لأنَّ اللامَ في خَبَرِها، وإذا جَعَلْتَ اللامَ زائدةً فَتَحْتَ الهمزةَ، والأوَّلُ أَقْرَبُ؛ لأنَّ الذي يُعَلِّقُ (أَعْلَمُ) عن العملِ هو لامُ الابتداءِ، لا الزائدةُ، (تَسْلِيمًا) أرادَ به التسليمَ على الناسِ، أو تسليمَ الأمورِ إلى ذَوِيهِ وعدمَ الدخولِ فيما لا يَعْنِي، (تَرْكًا) أرادَ به: تَرْكَ ما عَبَّرَ عنه بالتسليمِ.

الإعرابُ: (أَعْلَمُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (إنَّ) حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (تَسْلِيمًا) اسمُه، (وتَرْكًا) معطوفٌ عليه، (لَلاَ مُتَشَابِهَانِ) اللامُ لامُ الابتداءِ، أو زائدةٌ على ما سَتَعْرِفُ، ولا: نافيةٌ، ومتشابهانِ: خبرُ إنَّ، (ولا) الواوُ عاطفةٌ: ولا: زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، (سَوَاءُ) معطوفٌ على خبرِ إنَّ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (للا مُتَشَابِهَانِ) ؛ حيثُ أَدْخَلَ اللامَ في الخبرِ المنفيِّ بلا، وهو شاذٌّ، وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في رِوايةِ صَدْرِ هذا البيتِ:

فظاهِرُ كلامِ الرَّضِيِّ ـ وهو صريحُ كلامِ ابنِ هِشامٍ ـ أنَّ همزةَ إنَّ مكسورةٌ؛ لوجودِ اللامِ في خَبَرِها.

قالَ ابنُ هِشامٍ: (إنَّ بالكسرِ لدخولِ اللامِ على الخَبَرِ) . اهـ. وهذا مبنيٌّ على ما هو الظاهِرُ من أنَّ اللامَ لامُ الابتداءِ. كما ذَكَرْنَا لكَ في لغةِ البيتِ.

وذَهَبَ ابنُ عُصْفُورٍ، تَبَعًا للفَرَّاءِ، إلى أنَّ الهمزةَ مفتوحةٌ، ومَجَازُه عندَنا أنه اعْتَبَرَ اللامَ زائدةً، وليسَتْ لامَ الابتداءِ.

فإذا جَعَلْتَ همزةَ إنَّ مكسورةً، على ما هو كلامُ ابنُ هِشامٍ وهو الذي يَجْرِي عليه كلامُ الشارِحِ ههنا ـ كانَ في البيتِ شذوذٌ واحدٌ، وهو دخولُ اللامِ على خبرِ إنَّ المنفيِّ.

وإذا جَرَيْتَ على كلامِ ابنِ عُصْفُورٍ، فإنِ اعْتَبَرْتَ اللامَ لامَ الابتداءِ، كانَ في هذا الشاهدِ شُذُوذَانِ: أَحَدُهما: دخولُ اللامِ على خبرِ أنَّ المفتوحةِ، وثانيهما: دُخُولُها على خبرِ أنَّ المنفيِّ.

ويُخَلِّصُ من هذا كلِّه أنْ نَعْتَبِرَ اللامَ زائدةً، كما اعْتَبَرُوها كذلك في الشواهدِ السابقةِ.

وقالَ ابنُ جِنِّيٍّ:(إنما أَدْخَلَ اللامَ، وهي للإيجابِ، على لا، وهي للنفيِ مِن قِبَلِ أنه شَبَّهَ لا بغَيْر، فكأنَّه قالَ: لِغَيْرِ مُتَشَابِهَيْنِ، كما شَبَّهَ الآخَرَ ما التي للنفيِ بما التي بمعنَى الذي في قَوْلِهِ:

لَمَا أَغْفَلْتُ شُكْرَكَ فَاجْتَنِبْنِي ... فكيفَ ومِن عَطَائِكَ جُلُّ مَالِي

ولم يَكُنْ سَبِيلِ اللامِ المُوجِبَةِ أنْ تَدْخُلَ على ما النافيةِ لولا ما ذَكَرْتُ لكَ مِن الشَّبَهِ). انْتَهَى كلامُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت