الصفحة 245 من 811

كما إذا كانَ الخبرُ فعلًا ماضيًا متصرِّفًا غيرَ مقرونٍ بـ (قدْ) لم يَصِحَّ دخولُ اللامِ على المعمولِ، فلا تقولُ: (إنَّ زيدًا لطعامَكَ أكَلَ) ، وأجازَ ذلك بعضُهم.

وإنما قالَ المصنِّفُ: (وتَصْحَبُ الوَاسِطَ) ؛ أي: المتوسِّطَ؛ تنبيهًا على أنها لا تَدْخُلُ على المعمولِ إذا تَأَخَّرَ، فلا تقولُ: (إنَّ زيدًا آكِلٌ لَطَعَامَكَ) ، وأَشْعَرَ قولُه بأنَّ اللامَ إذا دَخَلَتْ على المعمولِ المتوسِّطِ لا تَدْخُلُ على الخبرِ، فلا تقولُ: (إنَّ زيدًا لطَعَامَكَ لآكِلٌ) ؛ وذلك من جهةِ أنه خَصَّصَ دخولَ اللامِ بمعمولِ الخبرِ المتوسِّطِ، وقد سُمِعَ ذلك قليلًا، وحُكِيَ من كلامِهِم: (إني لَبِحَمْدِ اللهِ لَصَالِحٌ) .

وأشارَ بقولِهِ: (والفصلَ) [1] إلى أن لامَ الابتداءِ تَدْخُلُ على ضميرِ الفصلِ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لهو القائِمُ) ، وقالَ اللهُ تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} ، فـ (هذا) اسمُ (إنَّ) ، و (هُوَ) ضميرُ الفصلِ، ودَخَلَتْ عليه اللامُ، و (الْقَصَصَ) خبرُ (إِنَّ) .

وسُمِّيَ ضميرَ الفصلِ؛ لأنَّه يَفْصِلُ بينَ الخبرِ والصفةِ، وذلكَ إذا قُلْتَ:) زيدٌ هو القائِمُ) فلو لم تَأْتِ بـ (هو) لاحْتَمَلَ أنْ يكونَ (القائِمُ) صفةً لزيدٍ وأنْ يكونَ خبرًا عنه، فلَمَّا أَتَيْتَ بـ (هو) تَعَيَّنَ أنْ يكونَ (القائِمُ) خبرًا عن زيدٍ.

وشَرْطُ ضميرِ الفصلِ أنْ يَتَوَسَّطَ بينَ المبتدأِ والخبرِ [2] ، نحوُ: (زيدٌ هو القائِمُ) ، أو بينَ ما أَصْلُه المبتدأُ والخبرُ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لهو القائِمُ) ، وأشارَ بقولِهِ: (واسمًا حَلَّ قَبْلَهُ الخَبَرْ) إلى أنَّ لامَ الابتداءِ تَدْخُلُ على الاسمِ إذا تَأَخَّرَ عن الخبرِ، نحوُ: (إِنَّ في الدارِ لَزَيْدًا) ، قالَ اللهُ تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} .

وكلامُه يُشْعِرُ أيضًا بأنه إذا دَخَلَتِ اللامُ على ضميرِ الفصلِ أو على الاسمِ المتأخِّرِ لم تَدْخُلْ على الخبرِ، وهو كذلكَ، فلا تقولُ: (إنَّ زيدًا لهو لَقَائِمٌ) ، ولا: (إنَّ لفي الدارِ لزيدًا) ، ومُقْتَضَى إطلاقِه في قَوْلِهِ: إنَّ لامَ الابتداءِ تَدْخُلُ على المعمولِ

(1) البَصْرِيُّونَ يُسَمُّونَه (ضميرَ الفصلِ) ، ووجهُ تَسْمِيَتِه بذلك ما ذَكَرَه الشارِحُ، ومن العلماءِ مَن يُسَمِّيهِ (الفَصْلَ) ، كما قالَ الناظِمُ: (والفَصْلَ) ، والكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَه (عِمَادًا) ، ووجهُ تَسْمِيَتِهم إيَّاه بذلك أنه يُعْتَمَدُ عليه في تأدِيَةِ المعنى المرادِ، وقدِ اخْتَلَفُوا فيه: أهو حرفٌ أم اسمٌ؟ وإذا كانَ اسمًا فهل له مَحَلٌّ من الإعرابِ أم لا مَحَلَّ له من الإعرابِ؟ وإذا كانَ له مَحَلٌّ من الإعرابِ فهل مَحَلُّه هو مَحَلُّ الاسمِ الذي قبلَه أم مَحَلُّ الاسمِ الذي بعدَه؟ فالأكثرونَ على أنه حَرْفٌ وُضِعَ على صورةِ الضميرِ وسُمِّيَ (ضميرَ الفصلِ) ، ومن النُّحاةِ مَن قالَ: هو اسمٌ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ. ومِنهم مَن قالَ: هو اسمٌ مَحَلُّه مَحَلُّ الاسمِ المتقدِّمِ عليه، فهو في مَحَلِّ رفعٍ إذا قُلْتَ: (زيدٌ هو القائِمُ) ، أو قُلْتَ: (كانَ زيدٌ هو القائِمَ) ، وفي مَحَلِّ نصبٍ إذا قلتَ: (إنَّ زيدًا هو القائِمُ) ، ومنهم مَن قالَ: هو اسمٌ مَحَلُّه مَحَلُّ الاسمِ المتأخِّرِ عنه، فهو في مَحَلِّ رفعٍ في المثاليْنِ الأوَّلِ والثالثِ، وفي مَحَلِّ نصبٍ في نحوِ قولِهِ تعالى: {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} .

(2) يُشْتَرَطُ في ضميرِ الفصلِ ـ بقَطْعِ النظرِ عن كونِه بينَ مَعْمُولَي إنَّ ـ أربعةُ شروطٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَقَعَ بينَ المبتدأِ والخبرِ، أو ما أَصْلُهُما ذلكَ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ هذا الشرطَ.

الشرطُ الثاني: أنْ يكونَ الاسمانِ اللذانِ يَقَعُ بينَهما مَعْرِفَتَيْنِ، نحوُ: (إنَّ مُحَمَّدًا هو المُنْطَلِقُ) ، أو أَوَّلُهما معرفةً حقيقةً وثانيهما يُشْبِهُ المعرفةَ في عدمِ قَبُولِه أداةَ التعريفِ كأَفْعَلِ التفضيلِ المقترِنِ بمِن، نحوُ: (محمدٌ أفضلُ مِن عمرٍو) .

الشرطُ الثالِثُ: أنْ يكونَ ضميرُ الفَصْلِ على صيغةِ ضميرِ الرفعِ؛ كما في هذه الأمثلةِ.

الشرطُ الرابِعُ: أن يُطَابِقَ ما قبلَه في الغَيْبَةِ أو الحضورِ، وفي الإفرادِ أو التثنيَةِ أو الجمعِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} ، فأنتَ للخِطَابِ، وهو في الخِطَابِ، وفي الإفرادِ كما قبلَه، ونحوُ: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} ، فنحنُ للتكلُّمِ كما قبلَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت