الصفحة 247 من 811

وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلُ ... إِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ [1]

إذا اتَّصَلَتْ (ما) غيرُ الموصولةِ بإنَّ وأَخَوَاتِها كَفَّتْهَا عن العملِ إلاَّ (ليتَ) ؛ فإنَّه يَجُوزُ فيها الإعمالُ والإهمالُ، فتقولُ: (إنما زيدٌ قائمٌ) ، ولا يَجُوزُ نصبُ (زيدٌ) ، وكذلك أنَّ وكأنَّ ولكِنَّ ولعلَّ، وتقولُ: (لَيْتَمَا زيدٌ قائمٌ) ، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ (زيدًا) فقلتَ: (ليتما زيدًا قائمٌ) .

وظاهِرُ كلامِ المصنِّفِ رَحِمَه اللهُ تعالى أنَّ (ما) إنِ اتَّصَلَتْ بهذه الأحرفِ كَفَّتْهَا عن العملِ، وقد تَعْمَلُ قليلًا، وهذا مَذْهَبُ جماعةٍ مِن النَّحْوِيِّينَ [2] كالزَّجَّاجِيِّ وابنِ السَّرَّاجِ.

وحَكَى الأَخْفَشُ والكِسَائِيُّ: (إنما زيدًا قائمٌ) ، والصحيحُ المذهَبُ الأوَّلُ، وهو أنه لا يَعْمَلُ مِنها معَ (ما) إلاَّ (ليتَ) ، وأمَّا ما حَكَاهُ الأَخْفَشُ والكِسَائِيُّ فشاذٌّ.

(1) (ووَصْلُ) مبتدأٌ، ووصلُ مضافٌ، و (ما) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (بذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بوَصْلُ، (الحروفِ) بَدَلٌ، أو عطفُ بيانٍ مِن ذي، أو نَعْتٌ له، (مُبْطِلُ) خبرُ المبتدأِ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (إِعْمَالَهَا) إعمالَ: مفعولٌ به لمُبْطِلُ، وإعمالَ مضافٌ وها مضافٌ إليه، (وَقَدْ) حرفُ تقليلٍ، (يُبَقَّى) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (العَمَلُ) نائبُ فاعلِ (يُبَقَّى) .

(2) ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ (ما) غيرَ الموصولةِ إذا اقْتَرَنَتْ بهذه الأدواتِ أَبْطَلَتْ عَمَلَها، إلا لَيْتَ، فإنَّ إعمالَها معَ ما جائزٌ، وعَلَّلُوا ذلك بأنَّ هذه الأدواتِ قد أُعْمِلَتْ لاخْتِصَاصِها بالأسماءِ، ودخولُ (ما) عليها يُزِيلُ هذا الاختصاصَ ويُهَيِّئُها للدخولِ على جُمَلِ الأفعالِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ، وقولِه سُبْحَانَهُ: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} ، ونحوُ قولِ امْرِئِ القَيْسِ:

ولَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمثالي

ومثلُ قولِ الفَرَزْدَقِ:

أَعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّمَا ... أَضَاءَتْ لَكَ النارُ الحِمَارَ المُقَيَّدَا

وتُسَمَّى (ما) هذه ما الكافَّةَ، أو ما المُهَيِّئَةَ، ووجهُ هاتيْنِ التسميتيْنِ ظاهرٌ بعدَ الذي ذَكَرْنَاه لكَ مِن شَأْنِها، وتُسَمَّى أيضًًا ما الزائدةَ، ولكونِ (ما) هذه لا تُزِيلُ اختصاصَ (ليتَ) بالجملِ الاسميَّةِ، بل هي باقيَةٌ معَها على اختصاصِها بالأسماءِ، لم تُبْطِلْ عَمَلَها، فِعِلَّةُ إِبْطَالِها إعمالَ غيرِ ليْتَ أنها أزالَتِ السبَبَ الذي مِن أجلِهِ عَمِلَتْ، وعِلَّةُ بقاءِ ليتَ على الإعمالِ أنَّ (ما) لم تُزِلِ السببَ الذي مِن أجلِه عَمِلَتْ، وقد جاءَ السماعُ مُعَضِّدًا لِذَلِكَ، كما في قَوْلِ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ:

قالَتْ أَلا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامَ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفَهُ فَقَدِ

فإنَّه يُرْوَى بنصبِ (الحَمَامَ) ورَفْعِه، فأما النصبُ فعلى إعمالِ ليتَ في اسمِ الإشارةِ، والحمامَ بَدَلٌ منه أو عَطْفُ بيانٍ عليه أو نعتٌ له، وأما الرفعُ فعلى إهمالِ لَيْتَ.

وذَهَبَ الزَّجَّاجُ في كتابِه (الجُمَلِ) إلى أنَّ جميعَ هذه الأدواتِ بمَنْزِلَةٍ واحدةٍ، وأنها إذا اقْتَرَنَتْ بها (ما) لم يَجِبْ إهمالُها، بل يَجُوزُ فيها الإعمالُ والإهمالُ، غيرَ أنَّ الإهمالَ أكثرُ في الجميعِ، أما الإعمالُ فعلى اختصاصِهَا الأصليِّ، وأمَّا الإهمالُ فلِمَا حَدَثَ لها مِن زَوَالِ الاختصاصِ، وذَكَرَ الزَّجَّاجُ أنَّ ذلك مسموعٌ في الجَميعِ، قالَ: (مِن العربِ مَن يَقُولُ: إنما زَيْدًا قائِمٌ، ولَعَلَّمَا بَكْرًا جالِسٌ، وكذلك أَخَوَاتُها: يَنْصِبُ بها، ويُلْغِي ما) . اهـ. وتَبِعَه على ذلك تلميذُه الزَّجَّاجِيُّ، وابنُ السَّرَّاجِ، وهو الذي يُفِيدُه ظاهرُ كلامِ الناظِمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت