فهرس الكتاب
واحْتَرَزْنَا بغيرِ الموصولةِ مِن الموصولةِ؛ فإنَّها لا تَكُفُّهَا عن العملِ، بل تَعْمَلُ معَها، والمرادُ من الموصولةِ التي بمعنَى (الذي) ، نحوُ: (إنَّ ما عندَكَ حَسَنٌ) ؛ أي: إن الذي عندَكَ حَسَنٌ، والتي هي مُقَدَّرَةٌ بالمصدرِ، نحوُ: (إنَّ ما فَعَلْتَ حَسَنٌ) ؛ أي: إنَّ فِعْلَكَ حسنٌ.
وجائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا علَى ... منصوبِ (إنَّ) بعدَ أنْ تسْتَكْمِلاَ [1]
أي: إذا أُتِيَ بعدَ اسمِ (إنَّ) وخبرِها بعاطفٍ جازَ في الاسمِ الذي بعدَه وجهانِ:
أَحَدُهما: النصبُ عَطفًا على اسمِ (إنَّ) ، نحوُ: (إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرًا) .
والثاني: الرفعُ، نحوُ: (إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرٌو) .
واخْتُلِفَ فيه [2] ؛ فالمشهورُ أنه معطوفٌ على مَحَلِّ اسمِ (إنَّ) ؛ فإنَّه في الأصلِ مرفوعٌ لكونِه مبتدأً، وهذا يُشْعِرُ به ظاهرُ كلامِ المصنِّفِ.
وذَهَبَ قومٌ إلى أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: وعمرٌو كذلكَ. وهو الصحيحُ.
فإنْ كانَ العطفُ قبلَ أنْ تَسْتَكْمِلَ (إنَّ) - أي: قبلَ أنْ تَأْخُذَ خبَرَها - تَعَيَّنَ النصبُ عندَ جمهورِ النحويِّينَ، فتقولُ: (إنَّ زيدًا وعمرًا قائمانِ، وإنكَ وزيدًا ذاهبانِ) ، وأجازَ بعضُهم الرفعَ.
(1) (وجائِزٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، (رَفْعُكَ) رَفْعُ: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، ورَفْعُ مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه من إضافةِ المصدرِ إلى فاعِلِهِ، (مَعْطُوفًا) مفعولٌ به للمَصْدَرِ، (على مَنْصُوبِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمَعْطُوف، ومنصوبِ مضافٌ وقولُه: (إِنَّ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (بعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ برَفْعُ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (تَسْتَكْمِلاَ) تَسْتَكْمِلَ: فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنْ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى إنَّ، وأَنْ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بإضافةِ (بعدَ) إليه، وثَمَّةَ مفعولٌ لِتَسْتَكْمِلَ محذوفٌ، والتقديرُ: بعد اسْتِكْمَالِها معمُولَيْهَا.
(2) مِمَّا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَجْحَدَهُ واحدٌ مِن النُّحاةِ أنه قدْ وَرَدَ عن العربِ ـ في جملةٍ صالحةٍ من الشعْرِ، وفي بعضِ النثْرِ ـ وقوعُ الاسمِ المرفوعِ مسبوقًا بالواوِ بعدَ اسمِ إنَّ المنصوبِ وقبلَ خبرِها، ومنه قولُ ضَابِئِ بنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ:
فمَنْ يَكُ أَمْسَى بالمدينةِ رَحْلُهُ ... فإني وقَيَّارٌ بها لغَرِيبُ
ومنه ما أَنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ، ولم يَعْزُهُ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ:
خَلِيلَيَّ هَلْ طِبٌّ فإني وأَنْتُمَا ... وإنْ لم تَبُوحَا بالهَوَى دَنِفَانِ
وقد وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ آيتانِ ظاهِرُهما كظاهِرِ هذيْنِ البيتيْنِ، الأُولَى قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} والثانيةُ قراءةُ بَعْضِهِم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتُهُ يُصَلُّونَ) برفعِ (ملائِكَتُه) .
وقدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في تَخْرِيجِ ذلك؛ فذَهَبَ الكِسَائِيُّ إلى أنَّ الاسمَ المرفوعَ معطوفٌ على اسمِ إنَّ باعتبارِه مبتدأً قبلَ دخولِ إنَّ، وذَهَبَ الجمهورُ مِن البَصْرِيِّينَ إلى أن هذا الاسمَ المرفوعَ مبتدأٌ خَبَرُه محذوفٌ، أو خَبَرُه المذكورُ فيما بعدُ، وخبرُ إنَّ هو المحذوفُ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه معطوفٌ على جملةِ إنَّ واسمِها وخبرِها، وذَهَبَ المحقِّقُ الرَّضِيُّ إلى أنَّ جملةَ المبتدأِ والخبرِ حينَئذٍ لا مَحَلَّ لها مُعْتَرِضَةٌ بينَ اسمِ إنَّ وخَبَرِها، وهو حَسَنٌ؟ لِمَا يَلْزَمُ على جَعْلِها معطوفةً على جملةِ إنَّ واسْمِها وخَبَرِها من تقديمِ المعطوفِ على بعضِ المعطوفِ عليه؛ لأنَّ خبرَ إنَّ متأخِّرٌ في اللفظِ أو التقديرِ عن جملةِ المبتدأِ والخبرِ، وخبرُ إنَّ جزءٌ من الجملةِ المعطوفِ عليها.