فهرس الكتاب
وأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لَكِنَّ وَأَنّ ... مِنْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنّ [1]
حُكْمُ (أنَّ) المفتوحةِ و (لكِنَّ) في العطفِ على اسمِهما حكمُ (إنَّ) المكسورةِ، فتقولُ: (عَلِمْتُ أنَّ زيدًا قائمٌ وعَمْرٌو) برفعِ عمرٍو ونَصْبِه، وتقولُ: (عَلِمْتُ أنَّ زيدًا وعمرًا قائمانِ) بالنصبِ فقطْ عندَ الجمهورِ، وكذلك تقولُ: (ما زيدٌ قائمًا لكِنَّ عمرًا مُنْطَلِقٌ وخالدًا) بنصبِ خالدٍ ورفعِه، و: (ما زيدٌ قائمًا لكِنَّ عمرًا وخالدًا منطلقانِ) بالنصبِ فقطْ.
وأمَّا (ليتَ ولَعَلَّ وكأنَّ) فلا يَجُوزُ معَها إلاَّ النصبُ، سواءٌ تَقَدَّمَ المعطوفُ أو تَأَخَّرَ، فتقولُ: (ليتَ زيدًا وعمرًا قائمانِ، وليتَ زيدًا قائمٌ وعمرًا) بنصبِ عمرٍو في المثاليْنِ، ولا يَجُوزُ رفعُه، وكذلك (كأنَّ ولعلَّ) ، وأجازَ الفَرَّاءُ الرفعَ فيه متقدِّمًا ومتأخِّرًا معَ الأحرفِ الثلاثةِ.
وخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وتَلْزَمُ اللامُ إِذَا ما تُهْمَلُ [2]
ورُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عنها إنْ بَدَا ... ما ناطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا [3]
إذَا خُفِّفَتْ (إنَّ) فالأكثرُ في لِسانِ العربِ إِهمالُها، فتقولُ: (إنْ زَيْدٌ لقائمٌ) ، وإذا أُهْمِلَتْ لَزِمَتْهَا اللامُ؛ فارِقَةً بينَها وبينَ (إنِ) النافيَةِ، ويَقِلُّ إعمالُها، فتقولُ: (إنْ زيدًا قائِمٌ) ، وحَكَى الإعمالَ سِيبَوَيْهِ والأخفشُ رَحِمَهُما اللهُ تعالى [4] ، فلا تَلْزَمُها حينَئذٍ
(1) (وأُلْحِقَت) الواوُ عاطفةٌ، أُلْحِقَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والتاءُ للتأنيثِ، (بإِنَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُلْحِقَ، (لكنَّ) قُصِدَ لفظُه: نائبُ فاعلٍ لأُلْحِقَ، (وأَنّ) معطوفٌ على لَكِنَّ، (مِن دُونِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُلْحِقَ أيضًًا، ودونِ مضافٌ و (لَيْتَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (لَعَلَّ وكَأَنْ) معطوفانِ على لَيْتَ.
(2) (وخُفِّفَتْ) الواوُ عاطفةٌ، خُفِّفَ: فعلٌ ماضٍ مبنِيٌّ للمجهولِ، والتاءُ للتأنيثِ، (إنَّ) نائبُ فاعلِ خُفِّفَ، (فَقَلَّ) الفاءُ عاطفةٌ، قَلَّ: فعلٌ ماضٍ معطوفٌ بالفاءِ على خُفِّفَ، (العَمَلُ) فاعلٌ لِقَلَّ، (وتَلْزَمُ) فعلٌ مضارِعٌ، (اللامُ) فاعلُ تَلْزَمُ، (إذا) ظرفٌ للمستقبَلِ مِن الزمانِ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (ما) زائدةٌ، (تُهْمَلُ) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى (إن) المُخَفَّفَةِ، والجملةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، والتقديرُ: إذا ما تُهْمَلُ إن التي خُفِّفَتْ لَزِمَتْها اللامُ.
(3) (ورُبَّمَا) الواوُ عاطفةٌ، رُبَّ: حرفُ تقلِيلٍ، وما: كافَّةٌ، (اسْتُغْنِيَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، (عَنْهَا) جارٌّ ومجرورٌ نائِبٌ عن الفاعِلِ لاسْتُغْنِيَ، والضميرُ المجرورُ مَحَلاًّ عائدٌ على اللامِ الُمَحَدَّثِ عنها بأنها تَلْزَمُ عندَ تَخْفِيفِ إن في حالةِ إِهْمَالِها، (إنْ) شرطيَّةٌ، (بَدَا) فعلٌ ماضٍ فعلُ الشرطِ، (ما) اسمٌ موصولٌ فاعلُ بَدَا، (ناطِقٌ) مبتدأٌ، وهو فاعلٌ في المَعْنَى؛ فلذا جازَ أنْ يُبْتَدَأَ به معَ كونِه نَكِرَةً، (أَرَادَهُ) أرادَ: فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على نَاطِقٌ، والهاءُ مفعولٌ به، والجملةُ مِن أرادَ وفاعِلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخَبَرِه لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (مُعْتَمِدَا) حالٌ مِن الضميرِ المستَتِرِ في (أرادَ) .
(4) على الإعمالِ في حالِ التخفيفِ وَرَدَ قولُه تعالى: (وَإِنْ كُلاًّ لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ) في قراءةِ مَن قَرَأَ بسكونِ نونِ (إنْ) وتَخْفِيفِ ميمِ (لَمَا) ، وفي هذه الآيةِ ـ على هذه القراءةِ ـ إعرابانِ:
أَوَّلُهما: أنَّ (إنْ) مُؤَكِّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، (كُلاًّ) اسمُ إنَّ المخفَّفَةِ، (لَمَا) اللامُ لامُ الابتداءِ، وما اسمٌ موصولٌ بمعنى الذين، خَبَرُ إنِ المُؤَكِّدَةِ المخفَّفَةِ، (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) اللامُ واقعةٌ في جوابِ قَسَمٍ محذوفٍ، يُوَفِّيَ: فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ على الفتحِ لاتِّصالِه بنونِ التوكيدِ الثقيلةِ، ونونُ التوكيدِ حرفٌ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وضميرُ الغائبينَ العائدُ على الذين مفعولٌ أوَّلُ، و (رَبُّكَ) ربُّ فاعلُ يُوَفِّيَ، وربُّ مضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مضافٌ اليه، وأعمالَ: مفعولٌ ثانٍ ليُوَفِّيَ، وأعمالَ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ العائدُ على الذين مضافٌ إليه، وجملةُ الفعلِ المضارِعِ وفاعلِه ومفعولَيْهِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ جوابُ القَسَمِ المحذوفِ، وتقديرُ الكلامِ: وإنْ كُلاًّ لَلذينَ واللهِ لَيُوَفِّيَنَّهُم رَبُّكَ أعمالَهم، والجملةُ القَسَمِيَّةُ لا محَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.
ويَرُدُّ على هذا الإعرابِ أنَّ جملةَ القَسَمِ إنشائيَّةٌ، وجملةَ الصلةِ يَجِبُ أنْ تكونَ خَبَرِيَّةً معهودةً، وقد أجابَ ابنُ هِشامٍ عن هذا في كِتَابِه (المُغْنِي) بأنَّ صلةَ الموصولِ في الحقيقةِ هي جملةُ جوابِ القَسَمِ، لا جُمْلَةُ القَسَمِ، وجملةُ جوابِ القَسَمِ خبريَّةٌ لا إنشائيَّةٌ.
والإعرابُ الثاني: أنَّ (إنْ) مُؤَكِّدَةٌ مخفَّفَةٌ، (كُلاًّ) اسمٌ إنَّ، (لَمَا) اللامُ لامُ الابتداءِ، وما زائدةٌ، (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) اللامُ مُؤَكِّدَةٌ لِلاَّمِ الأُولى، ويُوَفِّيَ فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ على الفتحِ لاتصالِه بنونِ التوكيدِ، والضميرُ مفعولٌ به أوَّلُ، (رَبُّكَ) فاعلٌ ومضافٌ إليه، و (أَعْمَالَهُم) مفعولٌ ثانٍ ومضافٌ إليه، والجملةُ من الفعلِ المضارِعِ ومفعولَيْهِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبرُ إنَّ المؤكِّدَةِ المُخَفَّفَةِ.