الصفحة 250 من 811

اللامُ؛ لأنَّها لا تَلْتَبِسُ والحالةُ هذه بالنافيَةِ؛ لأنَّ النافيةَ لا تَنْصِبُ الاسمَ وترفَعُ الخبرَ، وإنما تَلْتَبِسُ بإنِ النافيَةِ إذا أُهْمِلَتْ ولم يَظْهَرِ المقصودُ بها، فإنْ ظَهَرَ المقصودُ بها فقدْ يُسْتَغْنَى عن اللامِ؛ كقولِهِ:

103 -وَنَحْنُ أُبَاةُ الضَّيْمِ مِنْ آلِ مَالِكٍ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ [1]

(1) البيتُ للطِّرِمَّاحِ ـ الحَكَمِ بنِ حَكِيمٍ ـ وكُنْيَتُهُ (أبو نَفَرٍ) ، وهو شاعِرٌّ طَائِيٌّ، وسَتَعْرِفُ نَسَبَه في بَيَانِ لُغَةِ البيتِ.

اللغةُ: (ونحنُ أُبَاةُ الضَّيْمِ) ، ويُرْوَى في مكانِه: (أنَا ابنُ أُبَاةِ الضَّيْمِ) جَمْعُ آبٍ، اسمُ فاعلٍ مِن أَبَى يَأْبَى؛ أيِ: امْتَنَعَ. تقولُ: أَمَرْتُ فُلانًا أنْ يَفْعَلَ كذا فأَبَى. تُرِيدُ أنه امْتَنَعَ أنْ يَفْعَلَه، والضَّيْمُ: الظُّلْمُ، (مَالِكٍ) هو اسمُ قبيلةِ الشاعِرِ، فإنَّ الطِّرِمَّاحَ هو الحَكَمُ بنُ حَكِيمِ بنِ نَفَرِ بنِ قَيْسِ بنِ جَحْدَرِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عبدِ رِضا بنِ مالِكِ بنِ أَبَانِ بنِ عَمْرِو بنِ رَبِيعَةَ بنِ جَرْوَلِ بنِ ثُعَلَ بنِ عَمْرِو بنِ الغَوْثِ بنِ طَيِّئٍ، (كِرَامَ المَعَادِنِ) طَيِّبَةَ الأصولِ شريفةَ المَحْتِدِ.

الإعرابُ: (ونحنُ) مبتدأٌ، (أُبَاةُ) خبرُ المبتدأِ، وأُبَاةُ مُضَافٌ و (الضَّيْمِ) مضافٌ إليه، (مِن آلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مِن الخبرِ، وآلِ مضافٌ و (مالِكٍ) مضافٌ إليه، (وإنْ) مخفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ مُهْمَلَةٌ، (مالِكٌ) مبتدأٌ، (كَانَتْ) كانَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى مالِكٌ باعتبارِ القبيلةِ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (كِرَامَ) خبرُ كانَ، وكِرَامَ مضافٌ و (المعادِنِ) مضافٌ إليه، والجملةُ من كانَ واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الذي هو مالِكٌ الذي تَقَدَّمَتْ عليه (إنِ) المُخَفَّفَةُ وأُهْمِلَتْ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (وإنْ مَالِكٌ كانَتْ ... إلخ) ؛ حيثُ تَرَكَ لامَ الابتداءِ التي تُجْتَلَبُ في خبرِ (إنِ) المكسورةِ الهمزةِ المخفَّفَةِ من الثقيلةِ عندَ إهمالِها، فُرْقانًا بينَها وبينَ (إنِ) النافيَةِ، وإنما تَرَكَها هنا اعْتِمَادًا على انْسِيَاقِ المعنى المقصودِ إلى ذِهْنِ السامِعِ، وثِقَةً منه بأنه لا يُمْكِنُ توجيهُه إلى الجَحْدِ، بقرينةِ أنَّ الكلامَ تَمَدُّحٌ وافتخارٌ، وصَدْرُ البيتِ واضِحٌ في هذا، والنفيُ يَدُلُّ على الذمِّ، فلو حُمِلَ عَجُزُ البيتِ عليه لَتَنَاقَضَ الكلامُ واضْطَرَبَ، ألاَ تَرَى أنَّكَ لو حَمَلْتَ الكلامَ على أنَّ (إنْ) نافيةٌ لكانَ معنى عَجُزِ البيتِ: ولَيْسَتْ مالِكٌ كرامَ المعادنِ؛ أي: فهي قبيلةٌ دَنِيئَةُ الأصولِ، فيكونُ هذا ذَمًّا ومتناقِضًا معَ ما هو بِصَدَدِه، فلَمَّا كانَ المَقامُ مانِعًا مِن جَوَازِ إرادةِ النفيِ ارْتَكَنَ الشاعِرُ عليه، فلم يأتِ باللامِ، فالقرينةُ ههنا معنويَّةٌ.

ومثلُ هذا البيتِ - في اعتمادِ الشاعرِ على القرينةِ المعنويَّةِ- قولُ الشاعِرِ:

إنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ ... لو لَمْ تَمُنُّوا بِوَعْدٍ غَيْرِ مَكْذُوبِ

ألاَ تَرَى أنه في مكانِ إظهارِ الأَلَمِ وشَكْوَى ما نَزَلَ به مِن فِرَاقِ أحبابِه؟ فلو حُمِلَتْ (إنْ) في صدرِ البيتِ على النفيِ فَسَدَ المعنى، ولم يَسْتَقِمِ الكلامُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت