فهرس الكتاب
التقديرُ: وإنْ مالكٌ لكانَتْ، فحُذِفَتِ اللامُ؛ لأنَّها لا تَلْتَبِسُ بالنافيةِ؛ لأنَّ المعنى على الإثباتِ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (ورُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عنها إِنْ بَدَا ... إلى آخِرِ البيتِ) .
واخْتَلَفَ النحْوِيُّون في هذه اللامِ هل هي لامُ الابتداءِ أُدْخِلَتْ للفرقِ بينَ (إنِ) النافيَةِ و (إنِ) المخفَّفةِ من الثقيلةِ، أم هي لامٌ أُخْرَى اجْتُلِبَتْ للفرقِ؟ وكلامُ سِيبَوَيْهِ يَدُلُّ على أنها لامُ الابتداءِ دَخَلَتْ للفرقِ.
وتَظْهَرُ فائدةُ هذا الخلافِ في مسألةٍ جَرَتْ بينَ ابنِ أبي العافِيَةِ وابنِ الأَخْضَرِ، وهي قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا ) ). فمَن جَعَلَها لامَ الابتداءِ أَوْجَبَ كَسْرَ (إنْ) ، ومَن جَعَلَها لامًا أُخْرَى اجْتُلِبَتْ للفرقِ فتَحَ (أنْ) ، وجَرَى الخلافُ في هذه المسألةِ قبلَهما بينَ أبي الحسنِ عليِّ بنِ سُلَيْمَانَ البَغْدَادِيِّ الأَخْفَشِ الصغيرِ، وبينَ أبي عليٍّ الفارِسِيِّ؛ فقالَ الفارِسِيُّ: هي لامٌ غيرُ لامِ الابتداءِ اجْتُلِبَتْ للفرقِ. وبه قالَ ابنُ أبي العافِيَةِ، وقالَ الأَخْفَشُ الصغيرُ: إنما هي لامُ الابتداءِ أُدْخِلَتْ للفرقِ. وبه قالَ ابنُ الأَخْضَرِ [1] .
والفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلا [2]
إذا خُفِّفَتْ (إنْ) فلا يَلِيها من الأفعالِ إلاَّ الأفعالُ الناسخةُ للابتداءِ، نحوُ: كانَ وأَخَوَاتِها، وظَنَّ وأَخَوَاتِها؛ قالَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} ، وقالَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} ، وقالَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} .
(1) قد عَلِمْتَ فيما مَضَى أنَّ لامَ الابتداءِ لا تَدْخُلُ إلا على المبتدأِ، أو على ما أَصْلُه المبتدأُ، وأنها تَدْخُلُ في بابِ إن على الخبرِ أو مَعْمُولِهِ أو ضَمِيرِ الفَصْلِ، وعَلِمْتَ أيضًًا أنها لا تَدْخُلُ على خَبَرِ إن إلا إذا كانَ مُثْبَتًا متأخِّرًا غيرَ ماضٍ مُتَصَرِّفٍ خالٍ مِن قد، ولو أنَّكَ نَظَرْتَ في شواهِدِ هذه المسألةِ لَوَجَدْتَ هذه اللامَ الفارِقَةَ بينَ (إنِ) النافيةِ والمخفَّفَةِ مِن الثقيلةِ تَدْخُلُ على مفعولٍ ليسَ أَصْلُه مبتدأً ولا خَبَرًا؛ كما في قولِ عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بنِ عَمْرٍو، وسيأتي شَرْحُه:
شَلَّتْ يَمِينُكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ... حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ
وهو الشاهِدُ رَقْمُ 104، ويأتي قَرِيبًا جِدًّا.
وتَدْخُلُ على الماضِي المتصرِّفِ الذي لم يَسْبِقْه (قدْ) ، نحوُ قولِكَ: إنْ زيدٌ لقامَ، وتَدْخُلُ على المنصوبِ المُؤَخَّرِ عن ناصبِه، نحوُ قولِه تعالى: {إِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} ، فلَمَّا كانَ شأنُ اللامِ التي تَدْخُلُ لأجلِ الفرقِ بينَ المخفَّفَةِ المؤكِّدَةِ والنافيةِ غيرَ شأنِ لامِ الابتداءِ - كانَ القولُ بأنَّ إحداهما غيرَ الأخرى أَصَحَّ نَظَرًا وأقومَ حُجَّةً، فمَذْهَبُ أبي عليٍّ الفارِسِيِّ الذي أَخَذَ به ابنُ أبي العافِيَةِ مَذْهَبٌ مُسْتَقِيمٌ في غايةِ الاستقامةِ.
(2) (والفِعْلُ) مبتدأٌ، (إنْ) شرطيَّةٌ، (لَمْ) حرفُ نفيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، (يَكُ) فعلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ مجزومٌ بلَمْ، وهو فِعْلُ الشرطِ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الفعلُ، (نَاسِخًا) خبرُ يَكُ، (فَلاَ) الفاءُ لرَبْطِ الجوابِ بالشرطِ، ولا: نافيةٌ، (تُلْفِيهِ) تُلْفِي: فعلٌ مضارِعٌ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والهاءُ مفعولٌ أوَّلُ لِتُلْفِي، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: فأَنْتَ لا تُلْفِيهِ، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ جزمٍ جوابُ الشرطِ، (غَالِبًا) حالٌ مِن الهاءِ في (تُلْفِيهِ) السابِقِ، (بإنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مُوصَلا) الآتِي، (ذِي) نعتٌ لإِنْ، (مُوصَلًا) مفعولٌ ثانٍ لِتُلْفِي.