فهرس الكتاب
إذَا خُفِّفَتْ (أنَّ) المفتوحةَ بَقِيَتْ على ما كانَ لها من العملِ، لكِنْ لا يكونُ اسْمُها إلاَّ ضميرَ الشأنِ محذوفًا [1] ، وخبرُها لا يكونُ إلاَّ جملةً، وذلك نحوُ: (عَلِمْتُ أنْ زَيْدٌ قائمٌ) ، فـ (أنْ) مخفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، وهو محذوفٌ، والتقديرُ (أَنْهُ) ، و (زيدٌ قائمٌ) جملةٌ في موضِعِ رفعِ خبرِ (أنْ) ، والتقديرُ: (عَلِمْتُ أنْهُ زيدٌ قائمٌ) ، وقد يَبْرُزُ اسْمُها، وهو غيرُ ضميرِ الشأنِ؛ كقولِهِ:
105 -فَلَوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي طَلاَقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ [2]
(1) الذي اشْتَرَطَ في أن المُخَفَّفَةِ أنْ يكونَ اسْمُها ضميرَ شأنٍ محذوفًا مِن النُّحاةِ هو ابنُ الحَاجِبِ، فأما الناظِمُ والجمهورُ فلم يَشْتَرِطُوا فيه ذلك؛ لأنَّهم رَأَوْا أنَّ ضميرَ الشأنِ خارِجٌ عن القياسِ، فلا يُحْمَلُ الكلامُ عليه ما وُجِدَ له وجهٌ آخَرُ، ومِن أجلِ ذلكَ قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ في قَوْلِهِ تعالى: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} : أنك يا إبراهيمُ قدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا.
(2) البيتُ مِمَّا أَنْشَدَهُ الفَرَّاءُ، ولم يَعْزُهُ إلى قائِلٍ معيَّنٍ.
اللغةُ: (أنْكِ) بكسرِ كافِ الخطابِ؛ لأنَّ المخاطَبَ أُنْثَى، بدليلِ ما بَعْدَه، والتاءُ في (سَأَلْتِنِي) مكسورةٌ أيضًًا لذلكَ، (صَدِيقُ) يجوزُ أنْ يكونَ فَعِيلًا بمعنى مفعولٍ، فيكونُ تَذْكِيرُه معَ أنَّ المرادَ به أُنْثَى قِياسًا؛ لأنَّ فعيلًا بمعنَى المفعولِ يَسْتَوِي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ والمفردُ وغيرُه غالبًا؛ كجَرِيحٍ، وقَتِيلٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ فَعِيلًا بمعنى فاعلٍ ويكونُ تذكيرُه معَ المؤنَّثِ جاريًا على غيرِ القياسِ، والذي سَهَّلَ ذلك فيه أنه أَشْبَهَ في اللفظِ فَعِيلًا بمعنى مفعولٍ، أو أنهم حَمَلُوه على (عَدُوٍّ) الذي هو ضِدُّه في المعنى؛ لأنَّ مِن سَنَنِهِم أنْ يَحْمِلُوا الشيءَ على ضِدِّهِ كما يَحْمِلُونه على مِثْلِه وشَبِيهِه.
المعنى: لو أنْكِ سَأَلْتِنِي إِخلاءَ سَبِيلِكِ قبلَ إحكامِ عُقْدَةِ النِّكاحِ بينَنا لم أَمْتَنِعْ مِن ذلك، ولبَادَرْتُ به، معَ ما أنتِ عليه من صِدْقِ المَوَدَّةِ لي. وخَصَّ يومَ الرخاءِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد لا يَعِزُّ عليه أنْ يُفَارِقَ أحبابَه في يومِ الكَرْبِ والشِّدَّةِ.
الإعرابُ: (فلو) لو: شرطيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (أَنْكِ) أنْ: مخففةٌ مِن الثقيلةِ، والكافُ اسْمُها، (في يومِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (سَأَلْتِنِي) الآتي، ويومِ مضافٌ و (الرَّخَاءِ) مضافٌ إليه، (سَأَلْتِنِي) فِعْلٌ وفاعلٌ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ أَوَّلُ، (فِرَاقَكِ) فِراقَ: مفعولٌ ثانٍ لِسَأَلَ، وفِرَاقَ مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه، (لم) حرفُ نفيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، (أَبْخَلْ) فعلٌ مضارِعٌ مجزومٌ بلَمْ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، والجملةُ جوابُ الشرطِ غيرِ الجازِمِ، فلا مَحَلَّ لها من الإعرابِ، (وأَنْتِ) الواوُ واوُ الحالِ، أنتِ: ضميرٌ منفصِلٌ مبتدأٌ، (صَدِيقُ) خبرُ المبتدأِ، والجملةُ من المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (أَنْكِ) ؛ حيثُ خُفِّفَتْ (أنِ) المفتوحةُ الهمزةِ وبَرَزَ اسْمُها، وهو الكافُ، وذلك قليلٌ، والكثيرُ عندَ ابنِ الحاجِبِ ـ الذي جَرَى الشارِحُ على رَأْيِهِ ـ أنْ يكونَ اسْمُها ضميرَ الشأنِ واجِبَ الاستتارِ، وأنْ يكونَ خَبَرُها جملةً.
واعْلَمْ أنَّ الاسمَ إذا كانَ محذوفًا ـ سواءٌ أكانَ ضميرَ شأنٍ أمْ كانَ غيرَه ـ فإنَّ الخبرَ يَجِبُ أنْ يكونَ جملةً.
أمَّا إذا كانَ الاسمُ مذكورًا شذوذًا كما في هذا الشاهدِ، فإنَّه لا يَجِبُ في الخبرِ أنْ يكونَ جُمْلَةً، بل قد يكونُ جُمْلَةً كما في البيتِ، وقد يكونُ مُفْرَدًا، وقدِ اجْتَمَعَ ـ معَ ذِكْرِ الاسمِ ـ كونُ الخبرِ مُفردًا وكونُه جملةً، في قولِ جَنُوبَ بنتِ العَجْلاَنِ مِن كَلِمَةٍ تَرْثِي فيها أخاها عَمْرَو بنَ العَجْلاَنِ:
لَقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلُونَ ... إذَا اغْبَرَّ أُفْقٌ وَهَبَّتْ شَمَالاَ
بأنْكَ رَبِيعٌ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وأنْكَ هُناكَ تكونُ الثِّمَالاَ
أَلاَ تَرَى أنه خَفَّفَ (أنْ) وجاءَ بها مرتيْن معَ اسمِها، وخَبَرُها في المرةِ الأولَى مفردٌ، وذلك قولُه: (بأنْكَ رَبِيعٌ) ، وخَبَرُها في المرَّةِ الثانيةِ جملةٌ، وذلك قولُه: (وأَنْكَ تكونُ الثِّمَالاَ) .