فهرس الكتاب
وإنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا ... وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا [1]
فالأَحْسَنُ الفَصْلُ بقدْ أَوْ نفيٍ اوْ ... تنفيسٍ اوْ لَوْ وقليلٌ ذِكْرُ لَوْ [2]
إذا وَقَعَ خبرُ (أنِ) المُخَفَّفَةِ جملةً اسْمِيَّةً لم يَحْتَجْ إلى فاصلٍ، فتقولُ: (عَلِمْتُ أنْ زَيدٌ قائمٌ) مِن غيرِ حرفٍ فاصلٍ بينَ (أنْ) وخَبَرِها، إلاَّ إذا قُصِدَ النفيُ فيُفْصَلُ بينَهما بحرفِ النفيِ؛ كقولِهِ تعالى: {وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
وإنْ وَقَعَ خبرُها جملةً فعليَّةً فلا يَخْلُو إمَّا أنْ يكونَ الفعلُ متصرِّفًا أو غيرَ متصرِّفٍ، فإنْ كانَ غيرَ متصرِّفٍ لم يُؤْتَ بفاصِلٍ، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} ، وقولِهِ تعالى: {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} .
وإنْ كانَ مُتَصَرِّفًا فلا يَخْلُو إما أنْ يكونَ دعاءً أو لا؛ فإنْ كانَ دعاءً لم يُفْصَلْ؛ كقولِهِ تعالى: (وَالْخَامِسَةَ أَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا) في قراءةِ مَن قَرَأَ (غَضِبَ) بصيغةِ الماضِي.
وإنْ لم يَكُنْ دعاءً فقالَ قومٌ: يَجِبُ أنْ يُفْصَلَ بينَهما إلاَّ قليلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ، منهم المصنِّفُ: يَجُوزُ الفصلُ وتركُه [3] ، والأحسنُ الفصلُ.
(1) (وإنْ) شرطيَّةٌ، (يَكُنْ) فعلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ فِعْلُ الشرطِ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الخبَرِ، (فِعْلًا) خبرُ يَكُنْ، (ولم) الواوُ واوُ الحالِ، لم: حرفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، (يَكُنْ) فعلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ مجزومٌ بلم، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الفِعْلِ، أو إلى الخبرِ، (دُعَا) قُصِرَ للضرورةِ: خبرُ يَكُنِ المَنْفِيِّ بلم، والجملةُ مِن يَكُنِ المَنْفِيِّ بلم واسْمِه وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، (ولم) الواوُ عاطفةٌ، لم: حرفُ نفيٍ وجزمٍ وقلبٍ، (يَكُنْ) فعلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ مجزومٌ بلم، (تَصْرِيفُهُ) تصريفُ: اسمُ يَكُنْ، وتصريفُ مضافٌ، والهاءُ مضافٌ إليه، (مُمْتَنِعَا) خبرُ يَكُنِ الأَخِيرِ.
(2) (فالأَحْسَنُ) الفاءُ واقِعَةٌ في جوابِ الشرطِ الواقِعِ في أوَّلِ البيتِ السابِقِ، الأَحْسَنُ: مبتدأٌ، (الفَصْلُ) خبرُ المبتدأِ، (بقد) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (الفَصْلُ) ، (أو نفيٍ أو تَنْفِيسٍ أو لوْ) كلُّ واحدٍ منها معطوفٌ على (قد) ، (وقَلِيلٌ) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، وقليلٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (ذِكْرُ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وذِكْرُ مضافٌ و (لو) قُصِدَ لفظُه: مُضافٌ إليه.
(3) مِمَّا وَرَدَ فيه الخبرُ جُمْلَةً فعليَّةً فِعْلُها متصرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ، ولم يُفْصَلْ بفاصِلٍ من هذه الفواصِلِ، سِوَى ما سَيُنْشِدُهُ الشارِحُ ـ قولُ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ:
فَلَمَّا رَأَى أنْ ثَمَّرَ اللهُ مَالَهُ ... وأَثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفَاقِرَهْ
أَكَبَّ على فأسٍ يُحِدُّ غُرَابَهَا ... مُذكَّرَةٍ مِن المَعَاوِلِ باتِرَهْ
فأنْ: مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، واسْمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، (ثَمَّرَ) : فعلٌ ماضٍ، و (اللهُ) : فاعلٌ، ومالَ: مفعولٌ به لِثَمَّرَ، ومالَ مضافٌ وضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه، وجملةُ الفعلِ الماضي وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ أنْ، وهذا الفِعْلُ ماضٍ، غيرُ دُعَاءٍ، ولم يُفْصَلْ.
ومِمَّن قالَ بوجوبِ الفصلِ: الفَرَّاءُ وابنُ الأنبارِيِّ.
وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في السببِ الذي دَعَا إلى هذا الفَصْلِ؛ فذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّ هذا الفصلَ يكونُ للتفرقةِ بينَ أنِ المخفَّفَةِ من الثقيلةِ وأنِ المصدريَّةِ.
وعلى هذا يَنْبَغِي أنْ يُقْسَمَ الفصلُ إلى قِسْمَيْنِ: واجِبٍ، وغيرِ واجبٍ، فيَجِبُ إذا كانَ الموضِعُ يَحْتَمِلُهما، ولا يَجِبُ إذا كانَ ممَّا تَتَعَيَّنُ فيه إحداهما، كما فيما بعدَ العِلْمِ غيرِ المُؤَوَّلِ بالظنِّ؛ فإنَّ هذا الموضِعَ يكونُ لأنِ المُخَفَّفَةِ لا غَيْرُ، إلاَّ عندَ الفَرَّاءِ وابنِ الأنباريِّ، فليسَ عندَهما مَوْضِعٌ تَتَعَيَّنُ فيه المخفَّفَةُ؛ ولذلك أَوْجَبَا الفَصْلَ بواحِدٍ مِن هذه الأشياءِ للتفْرِقَةِ دَائِمًا.
وقالَ قومٌ: إنَّ المقصودَ بهذا الفصلِ جَبْرُ الوَهْنِ الذي أَصَابَ أنِ المؤكِّدَةَ بتخفِيفِها.
ويُشْكِلُ على هذا أنَّ الوَهْنَ موجودٌ إذَا كانَ الخَبَرُ جملةً اسميَّةً، أو جملةً فعليَّةً فِعْلُها جامدٌ أو دُعاءٌ، فلماذا لم يُجْبَرِ الوَهْنُ معَ شيءٍ مِن ذلك؟!.