فهرس الكتاب
والفاصلُ أحدُ أربعةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: (قد) ؛ كقولِهِ تعالى: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} .
الثاني: حرفُ التنفيسِ، وهو السينُ أو سوفَ، فمثالُ السينِ قولُه تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} ، ومثالُ (سوفَ) قولُ الشاعرِ:
106 -واعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا [1]
الثالثُ: النفيُ؛ كقولِهِ تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} ، وقولِهِ تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ، وقولِهِ تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} .
الرابعُ: (لو) ، وقَلَّ مَن ذَكَرَ كَوْنَها فاصِلَةً مِن النحْويِّين، ومِنه قولُه تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} ، وقولُهُ: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [2] .
وممَّا جاءَ بدونِ فاصلٍ قولُه:
107 -عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُونَ فَجَادُوا ... قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوا بِأَعْظَمِ سُؤْلِ [3]
(1) هذا البيتُ أَنْشَدَه أبو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ وغَيْرُه، ولم يَنْسُبْه أحدٌ مِنهم إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، والبيتُ مِن الكامِلِ، وقد وَهِمَ العَيْنِيُّ رَحِمَه اللهُ في زَعْمِهِ أنه من الرَّجَزِ المُسَدَّسِ.
الإعرابُ: (وَاعْلَمْ) فعلُ أَمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (فَعِلْمُ) مبتدأٌ، وعِلْمُ مضافٌ، و (المَرْءِ) مضافٌ إليه، (يَنْفَعُهُ) يَنْفَعُ: فعلٌ مُضَارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على (عِلْمُ) ، والهاءُ مفعولٌ به لِيَنْفَعُ، والجملةُ مِن يَنْفَعُ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (أنْ) مُخَفَّفَةٌ من الثقيلةِ، واسْمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ وُجُوبًا، (سَوْفَ) حرفُ تنْفِيسٍ، (يَأْتِي) فعلٌ مُضارِعٌ، (كُلُّ) فاعلُ يأتي، والجملةُ مِن الفعلِ والفاعلِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ أنْ، وكلُّ مضافٌ، و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، (قُدِرَا) قُدِرَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على (ما) ، والجملةُ مِن قُدِرَ ونائبِ فاعلِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (أنْ سَوْفَ يَأْتِي) ؛ حيثُ أَتَى بخَبَرِ (أنِ) المخفَّفَةِ من الثقيلةِ جملةً فعليَّةً وليسَ فِعْلُها دُعاءً، وقد فُصِلَ بينَ (أنْ) وخبرِها بحرفِ التنفيسِ، وهو (سوفَ) ، ومثلُ هذا البيتِ قولُ الفَرَزْدَقِ:
أَبِيتُ أُمَنِّي النَّفْسَ أَنْ سَوْفَ نَلْتَقِي ... وَهَلْ هُوَ مَقْدُورٌ لِنَفْسِي لِقَاؤُهَا
(2) هذه الفواصِلُ الأربعةُ منها ما يَخْتَصُّ بالفعلِ الماضِي، وهو قدْ، ومِنها ما يَخْتَصُّ بالمضارِعِ، وهو لم ولن والتنفيسُ، ومنها ما هو مُشْتَرَكٌ بينَهما، وهو لو.
(3) هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي لا يُعْلَمُ قَائِلُها.
الإعرابُ: (عَلِمُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (أنْ) مخفَّفةٌ مِن الثقيلةِ، واسْمُها محذوفٌ، (يُؤَمَّلُونَ) فِعْلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، وواوُ الجماعةِ نائبُ فاعِلٍ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ (أنِ) المُخَفَّفَةِ، (فَجَادُوا) الفاءُ عاطفةٌ، وجَادُوا: فِعْلٌ وفاعلٌ، والجملةُ معطوفةٌ على جُمْلَةِ عَلِمُوا، (قبلَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بجَادَ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (يُسْأَلُوا) فِعْلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ منصوبٌ بأنِ المَصْدَرِيَّةِ، وواوُ الجماعةِ نائبُ فاعلٍ، وقبلَ مضافٌ و (أنْ) وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مضافٌ إليه، (بِأَعْظَمِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بجَادَ، وأعظمِ مضافٌ و (سُؤْلِ) مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (أنْ يُؤَمَّلُونَ) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ فيه (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِن الثقيلةِ، وأَعْمَلَهَا في الاسمِ الذي هو ضميرُ الشأنِ المحذوفُ، وفي الخبرِ الذي هو جملةُ (يُؤَمَّلُونَ) ، ومعَ أنَّ جملةَ الخبرِ فِعْلِيَّةٌ فِعْلُها متصرِّفٌ، غيرُ دُعَاءٍ، لم يَأْتِ بفاصِلٍ بينَ (أنْ) وجملةِ الخبرِ.
والاستشهادُ بهذا البَيْتِ إنما يَتِمُّ على مَذْهَبِ الجمهورِ الذين يَذْهَبُون إلى أنَّ (أنِ) الوَاقِعَةَ بعدَ عَلْمٍ غيرِ مُؤَوَّلٍ بالظَّنِّ تكونُ مُخَفَّفَةً من الثقيلةِ لا غيرُ، فأمّا على مذهَبِ الفَرَّاءِ وابنِ الأنباريِّ اللذيْن لا يَرَيانِ للمخفَّفةِ مَوْضعًا يَخُصُّها، وأَوْجَبَا الفصلَ بواحدٍ مِن الأمورِ التي ذَكَرَها الشارِحُ للتفرِقَةِ- فإنَّهما يُنكِرانِ أنْ تكونَ (أنْ) في هذا البيتِ مخففةً من الثقيلةِ، ويزعُمانِ أنها هي المصدريَّةُ التي تنصِبُ المضارِعَ، وأنها لم تَنصِبْه في هذا البيتِ كما لم تَنصِبْه في قولِ الشاعِرِ:
أنْ تَقْرَآنِ على أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا ... مِنِّي السَّلامَ، وأنْ لاَ تُشْعِرَا أَحَدَا
وكما لم تَنْصِبْه في قَوْلِهِ تعالى: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ) في قِراءةِ مَن قَرَأَ برفعِ (يُتِمُّ) ، وكما لم تَنْصِبْه في حديثِ الْبُخَارِيِّ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنها: (6/ 120 الطبعة السلطانيَّة) قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِينَ لَهُ؟ عمك ) )، إلا أنه قدْ يُقالُ: إنه لا يَجُوزُ على مَذْهَبِهِما أيضًًا أنْ تكونَ (أنْ) في البيتِ الشاهدِ مصدريَّةً مهملَةً، مِن قِبَلِ أنَّ الشاعرَ قد قالَ بعدَ ذلكَ: (قبلَ أنْ يَسْأَلُوا) ، فنَصَبَ الفعلَ بحذفِ النونِ؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ لغةَ هذا القائلِ النصبُ بأنِ المصدريَّةِ، فيكونُ هذا قَرِينةً على أنَّ (أنِ) الأُولى مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، فإنَّ مِن البَعِيدِ أنْ يَجْمَعَ الشاعِرُ بينَ لُغَتَيْنِ في بيتٍ واحدٍ.