فهرس الكتاب
إذا خُفِّفَتْ (كأنَّ) نُوِيَ اسمُها وأُخْبِرَ عنها بجملةٍ اسميَّةٍ [1] ، نحوُ: (كأنْ زيدٌ قائمٌ) ، أو جملةٍ فعليَّةٍ مصدَّرَةٍ بلم [2] ؛ كقولِه تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} ، أو مُصَدَّرَةٍ بـ (قدْ) ؛ كقولِ الشاعِرِ:
أَفِدَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ [3]
أي: (وكَأَنْ قدْ زَالَتْ) ، فاسمُ (كأنْ) في هذه الأمثلةِ محذوفٌ، وهو ضميرُ الشأنِ، والتقديرُ: (كأنه زيدٌ قائمٌ، وكأنه لم تَغْنَ بالأمسِ، وكأنه قد زَالَتْ) .
والجملةُ التي بعدَها خبرٌ عنها، وهذا معنى قولِه: (فَنُوِي مَنْصُوبُها) ، وأشارَ بقولِه: (وَثَابِتًا أَيْضًا رُوِي) إلى أنه قد رُوِيَ إثباتُ منصوبِها، ولكنَّه قليلٌ، ومنه قولُه:
108 -وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ [4]
(1) لم يَسْتَشْهِدِ الشارِحُ هنا لمجيءِ خبرِ (كأنْ) جملةً اسميَّةً، ومِن شواهدِ ذلكَ قولُ الشاعِرِ (ش 108) في روايةٍ أخرَى غيرِ التي ذَكَرَها الشارِحُ في إنشادِ البيتِ، ولكنه أشارَ إليها بعدُ:
وَصَدْرٌٍ مُشْرِقُِ اللَّوْنِ ... كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ
فكأنْ: حرفُ تشبيهٍ ونصبٍ، واسْمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وثَدْيَاهُ: مبتدأٌ ومضافٌ إليه، وحُقَّانِ: خبرُ المبتدأِ، والجملةُ مِن المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ كأنْ.
(2) إذا كانَتْ جملةُ خَبَرِ (كأنِ) المخفَّفَةِ فعليَّةً، فإنْ قُصِدَ بها الثُّبُوتُ اقْتَرَنَتْ حَتْمًا بقدْ، كبيتِ النابغةِ الذي أَنْشَدَهُ الشارِحُ (رَقْم 2) ، وكقولِ الآخَرِ:
لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاءُ لَظَى الْحَرْ ... بِ فمَحْذُورُهَا كأنْ قَدْ أَلَمَّا
وإنْ قُصِدَ بها النفيُ اقْتَرَنَتْ بلم؛ كما في الآيةِ الكريمةِ، وكما في قولِ الخَنْسَاءِ:
كأَنْ لم يكونوا حِمًى يُتَّقَى ... إذِ الناسُ إذْ ذَاكَ مَن عَزَّ بَزَّا
وكقولِ شاعرٍ مِن غَطَفَانَ (انْظُرْه في مُعْجَمِ البُلْدَانِ 6/ 18) :
كأنْ لم يُدَمِّنْهَا أَنِيسٌ ولم يَكُنْ ... لَهَا بعدَ أيَّامِ الهِدَمْلَةِ عَامِرُ
(3) هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ (2) ، وقد شَرَحْنَا هذا البيتَ في مَبْحَثِ التنوينِ أوَّلَ الكتابِ، فانْظُرْه هناكَ، والاستشهادُ به هنا في قولِهِ: (وكأنْ قَدِ) ؛ حيثُ خُفِّفَتْ (كأنْ) وحُذِفَ اسمُها، وأُخْبِرَ عنها بجملةٍ فعليَّةٍ مُصَدَّرَةٍ بقدْ، والتقديرُ: وكأنْهُ؛ (أي: الحالَ والشأنَ) قد زَالَتْ، ثمَّ حُذِفَتْ جملةُ الخبرِ؛ لأنَّه قد تَقَدَّمَ في الكلامِ ما يُرْشِدُ إليها ويَدُلُّ عليها، وهو قولُه: (لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا) .
(4) هذا الشاهدُ أحدُ الأبياتِ التي اسْتَشْهَدَ بها سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 281) ولم يَنْسُبُوها.
اللغةُ: (وصَدْرٍ) قد رَوَى سِيبَوَيْهِ في مكانِ هذه الكَلِمَةِ: (وَوَجْهٍ) ، ورَوَى غيرُه في مكانِها: (ونَحْرٍ) ، وعلى هاتين الروايتيْنِ تكونُ الهاءُ في قولِه: (ثَدْيَيْهِ) عائدةً إلى (وَجْهٍ) أو (نَحْرٍ) بتقديرِ مضافٍ، وأصلُ الكلامِ: كأنْ ثَدْيَيْ صَاحِبِه، فحَذَفَ المضافَ، وهو الصاحِبُ، وأقامَ المضافَ إليه مُقامَه، (مُشْرِقِ اللَّوْنِ) مُضِيءٍ؛ لأنَّه ناصِعُ البَيَاضِ، وهذا هو الثابِتُ، وقد رَوَاهُ الشارِحُ كما تَرَى، (حُقَّانِ) تَثْنِيَةُ حُقَّةٍ، وحُذِفَتِ التاءُ التي في المفردِ مِن التثنيةِ كما حُذِفَتْ في تثنيةِ (خُصْيَةٍ، وأَلْيَةٍ) فقالوا: خُصْيَانِ وأَلْيَانِ، هكذا قالُوا، وليسَ هذا الكلامُ بشيءٍ، بل حُقَّانِ تَثْنِيَةُ حُقٍّ ـ بضمِّ الحاءِ وبدونِ تاءٍ ـ وقد وَرَدَ في فَصيحِ شِعْرِ العربِ بغيرِ تاءٍ، ومن ذلكَ قولُ عمرِو بنِ كُلْثُومٍ التَّغْلِبِيِّ:
وَصَدْرًا مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخْصًا ... حَصَانًا مِنْ أَكُفِّ اللاَّمِسِينَا
والعربُ تُشَبِّهُ الثَّدْيَيْنِ بحُقِّ العاجِ؛ كما في بيتِ الشاهدِ، وكما في بيتِ عَمْرٍو، ووجهُ التشبيهِ أنهما مُكْتَنِزَانِ نَاهِدَانِ.
الإعرابُ: (وَصَدْرٍ) بعضُهم يَرْوِيهِ بالرفعِ، فهو مبتدأٌ خَبَرُه محذوفٌ، والتقديرُ: ولها صَدْرٌ، والأكثرونَ على رِوَايَتِه بالجرِّ، فالواوُ واوُ رُبَّ، وصَدْرٍ: مبتدأٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على آخِرِه مَنَعَ مِن ظُهُورِها اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ، (مُشْرِقِ) صفةٌ لصَدْرٍ، ومُشْرِقِ مضافٌ و (اللونِ) مضافٌ إليه، (كأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، (ثَدْيَيْهِ) ثَدْيَي: اسْمُها، وثَدْيَيْ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (حُقَّانِ) خبرُ كأنْ، ومَن رَوَى (ثَدْيَاهُ حُقَّانِ) ، وهي الروايةُ التي أَنْشَدْنَا البيتَ عليها في تعليقَةٍ سَبَقَتْ قريبًا (ص 390) فهي جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ كأنْ، واسْمُها محذوفٌ، والتقديرُ: كأنْهُ ـ أي: الحالَ والشأنَ ـ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ، وجملةُ كأنْ واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الذي هو قولُه: (صَدْرٍ) ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ رَحِمَه اللهُ الروايتيْنِ جميعًا، وبَيَّنَ وَجْهَ كلِّ واحدةٍ مِنهما بما لا يَخْرُجُ عمَّا ذَكَرْنَاهُ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ) ؛ حيثُ رُوِيَ بنصبِ (ثَدْيَيْهِ) بالياءِ المفتوحِ ما قبلَها على أنه اسمُ (كأنِ) المخفَّفَةِ مِن الثقيلةِ، وهذا قليلٌ بالنظرِ إلى حذفِ اسمِها ومجيءِ خَبَرِها (جملةً) ؛ ولهذا يُرْوَى برفعِ ثَدْيَيْهِ على ما ذَكَرْنَاه في إعرابِ البيتِ، فيكونُ البيتُ على هذه الروايةِ جَارِيًا على الكثيرِ الغالِبِ.
ولا دَاعِيَ لِمَا أَجَازَه الشارِحُ على روايةِ (كأنْ ثَدْيَاهُ) من أنْ يكونَ (ثَدْيَاهُ) اسمَ كأنْ أَتَى به الشاعِرُ على لغةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنَّى الألِفَ؛ فإنَّ في ذلك شيئيْنِ، كلُّ حدٍ منهُما خلافُ الأصلِ:
أحدُهما: أن مجيءَ المُثَنَّى في الأحوالِ كلِّها بالألِفِ لُغَةٌ مهجورةٌ قديمةٌ لبعضِ العربِ.
ثانيهما: أنَّ فيه حَمْلُ البيتِ على القليلِ النادرِ، وهو ذِكُرُ اسْمِ كأنْ ـ معَ إمكانِ حَمْلِه على الكثيرِ المشهورِ، والذي يَتَعَيَّنُ على المُعْرِبِينَ ألاَّ يَحْمِلُوا الكلامَ على وجهٍ ضعيفٍ مَتَى أَمْكَنَ حملُه على وجهٍ صحيحٍ راجِحٍ.
قد تَمَّ ـ بحمدِ اللهِ تعالى وحُسْنِ تَوْفِيقِه ـ الجُزْءُ الأوَّلُ من شَرْحِ ابنِ عَقِيلٍ على أَلْفِيَّةِ ابنِ مَالِكٍ، معَ حَوَاشِينَا عليه، التي بَذَلْنَا فِي تَمْحِيصِها وتَحْقِيقِها الجَهْدَ الجاهِدَ، واللهُ تَعالى المسؤولُ أنْ يُوَفِّقَ لإِتْمَامِها على الوجهِ الذي يَجْعَلُ النفعَ بها دانِيَ الثَّمَرَاتِ قَرِيبَ الجَنَى، إنه وَلِيُّ ذلك، وهو حَسْبُنَا ونِعْمَ الوَكِيلُ.
حسام