الصفحة 261 من 811

لا يَخْلُو اسمُ (لا) هذه من ثلاثةِ أحوالٍ:

الحالُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ مضافًا، نحوُ: (لا غُلاَمَ رَجُلٍ حَاضِرٌ) .

الحالُ الثاني: أنْ يكونَ مُضارِعًا للمضافِ؛ أي: مُشَابِهًا له، والمرادُ به كلُّ اسمٍ له تَعَلُّقٌ بما بعدَه؛ إما بِعَمَلٍ؛ نحوُ: (لا طَالِعًا جَبَلًا ظَاهِرٌ، ولا خَيْرًا مِن زَيْدٍ رَاكِبٌ) .

وإما بعَطْفٍ، نحوُ: (لا ثلاثةً وثلاثينَ عِندَنا) ، ويُسَمَّى المُشَبَّهَ بالمُضَافِ مُطَوَّلًا ومَمْطُولًا؛ أي: ممدودًا.

وحُكْمُ المضافِ والمشبَّهِ به النصبُ لَفظًا؛ كما مُثِّلَ.

والحالُ الثالِثُ: أنْ يكونَ مفردًا، والمرادُ به هنا ما ليسَ بمضافٍ ولا مُشَبَّهٍ بالمضافِ، فيَدْخُلُ فيه المثنَّى والمجموعُ، وحُكْمُه البناءُ على ما كانَ يُنْصَبُ به لِتَرَكُّبِهِ معَ (لا) وصَيْرُورَتِهِ معَها كالشيءِ الواحِدِ، فهو معَها كخمسةَ عشَرَ، ولكِنْ محلُّه النصبُ بلا؛ لأنَّه اسمٌ لها، فالمفردُ الذي ليسَ بِمُثَنًّى ولا مجموعٍ يُبْنَى على الفتحِ؛ لأنَّ نَصْبَه بالفتحةِ، نحوُ: (لا حولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ) ، والمثنى وجمعُ المذكَّرِ السالِمُ يُبْنَيَانِ على ما كانا يُنْصَبَانِ به، وهو الياءُ، نحوُ: (لا مُسْلِمَيْنِ لكَ ولا مُسْلِمِينَ) فمُسْلِمَيْنِ ومُسْلِمِينَ مَبْنِيَّانِ؛ لِتَرَكُّبِهِما معَ (لا) كما بُنِيَ (رَجُلَ) لِتَرَكُّبِهِ معَها.

وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والزَّجَّاجُ إلى أنَّ (رَجُلَ) في قولِكَ: (لا رَجُلَ) مُعْرَبٌ، وأنَّ فتحتَه فتحةُ إعرابٍ، لا فَتْحَةُ بِناءٍ، وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ (مسلميْنِ) و (مُسْلِمِينَ) مُعْرَبَانِ [1] .

(1) ذَهَبَ أبو العبَّاسِ المُبَرِّدُ إلى أنَّ اسمَ (لا) إذا كانَ مُثَنًّى أو مجموعًا جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالمًا فهو مُعْرَبٌ منصوبٌ بالياءِ، وليسَ مَبْنِيًّا كما ذَهَبَ إليه جمهورُ النُّحَاةِ، واحْتَجَّ لِمَا ذَهَبَ إليه بأنَّ التثنيةَ والجمعَ من خصائصِ الأسماءِ، وقد عَلِمْنَا أنَّ مِن شرطِ بناءِ الاسمِ لِشَبَهِهِ بالحرفِ في وجهٍ من وُجُوهِ الشَّبَهِ التي تَقَدَّمَ بَيَانُها: ألاَّ يُعَارِضَ هذا الشَّبَهَ شيءٌ مِن خُصُوصِيَّاتِ الأسماءِ.

والجوابُ على هذه الشُّبْهَةِ مِن وَجْهَيْنِ:

أَوَّلُهما، وهو وَجْهٌ عَقْلِيٌّ: أنَّ ما كانَ من خصائصِ الأسماءِ إنما يَقْدَحُ في بناءِ الاسمِ ويُعَارِضُه إذا طَرَأَ على الاسمِ بعدَ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا، فأمَّا إذا كانَ ما هو من خصائصِ الأسماءِ موجودًا في الاسمِ ثمَّ عَرَضَ لهذا الاسمِ ما يَقْتَضِي شَبَهَه بالحرفِ مِن بعدِ ذلك ـ فإنَّه لا يُعَارِضَ سببَ البناءِ ولا يَمْنَعُ منه، ونحن نَدَّعِي أنَّ الاسمَ كانَ مُثَنًّى أو مجموعًا ثمَّ دَخَلَتْ عليه لا فتَرَكَّبَ معَها تَرَكُّبَ خَمْسَةَ عشرَ، فوُجِدَ سببُ البناءِ طارئًا على ما هو من خصائصِ الاسمِ.

الثاني، وهو نَقْضٌ لمَذْهَبِه بعدمِ الاطِّرَادِ: أنَّ المُبَرِّدَ نفسَه قد اتَّفَقَ معَ الجمهورِ على بناءِ اسمِ لا المجموعِ جمعَ تَكْسِيرٍ، ولم يَعْبَأْ معَه بما هو من خصائِصِ الاسمِ، وهو الجَمْعُ، كما اتَّفَقَ معَ الجمهورِ على بناءِ المُنَادَى المثنَّى أو المجموعِ جمعَ المُذَكَّرِ السالِمَ على ما يُرْفَعُ به، ولم يَعْبَأْ بما هو من خصائصِ الأسماءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت