الصفحة 262 من 811

وأمَّا جمعُ المؤنَّثِ السالِمُ فقالَ قومٌ: مبنِيٌّ على ما كانَ يُنْصَبُ به، وهو الكَسْرُ، فتقولُ: (لا مُسْلِماتِ لَكَ) بكسرِ التاءِ، ومنه قولُه:

109 -إِنَّ الشَّبَابَ الذي مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ ... فِيهِ نَلَذُّ وَلاَ لَذَّاتِ لِلشِّيبِ [1]

وأجازَ بَعْضُهم الفتحَ، نحوُ: (لا مُسْلِماتَ لَكَ) [2] .

(1) البيتُ لسَلامةَ بنِ جَنْدَلٍ السَّعْدِيِّ، من قصيدةٍ له مُسْتَجَادَةٍ، وأَوَّلُها قولُه:

أَوْدَى الشبابُ حَمِيدًا ذُو التعاجِيبِ ... أَوْدَى وذلكَ شَأْوٌ غَيْرُ مَطْلُوبِ

وَلَّى حَثِيثًا وذاكَ الشَّيْبُ يَتْبَعُهُ ... لو كانَ يُدْرِكُهُ رَكْضُ اليَعَاقِيبِ

اللغةُ: (أَوْدَى) ذَهَبَ وفَنِيَ، وكَرَّرَ هذه الكلمةَ؛ تأكيدًا لِمَضْمُونِها؛ لأنَّه إنما أرادَ إنشاءَ التحسُّرِ والتحزُّنِ على ذَهابِ شبابِه، (حَمِيدًا) محمودًا، (التعاجِيبِ) جمعُ العَجَبِ، وهو جمعٌ لمفردٍ غيرِ مُفْرَدِه المستعمَلِ، وهو المُعَبَّرُ عنه بأنه لا واحدَ له من لفظِه، ويُرْوَى في مكانِه: (الأَعَاجِيبِ) ، وهو جمعُ أُعْجُوبَةٍ، وهي الأمرُ الذي يُتَعَجَّبُ منه، (شَأْوٌ) هو الشَّوْطُ، (حَثِيثًا) سريعًا، (اليَعَاقِيبِ) جمعُ يَعْقُوبٍ، وهو ذَكَرُ الحَجَلِ، (مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ) المرادُ أنَّ نِهايَتَه محمودةٌ، (الشِّيب) بكسرِ الشينِ: جَمْعُ أَشْيَبَ، وهو الذي ابْيَضَّ شَعَرُه. ورُوِي صَدْرُ البيتِ المستشهَدِ به هكذا:

* أَوْدَى الشبابُ الذي مَجْدٌ .. إلخ *.

الإعرابُ: (إنَّ) حرفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، (الشَّبَابَ) اسمُ إنَّ، (الذي) اسمٌ موصولٌ: نَعْتٌ للشبابَ، (مَجْدٌ) يَجُوزُ أنْ يكونَ خَبَرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: هو مَجْدٌ، وعواقِبُه على هذا نائبُ فاعلِ مَجْدٌ؛ لأنَّه مصدرٌ بمعنى اسمِ مفعولٍ كما فَسَّرْنَاهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ (مَجْدٌ) خبرًا مُقَدَّمًٌا، و (عَوَاقِبُه) مبتدأً مؤخَّرًا، وجازَ الإخبارُ بالمفردِ ـ وهو مَجْدٌ ـ عن الجمعِ ـ وهو عواقِبُ ـ لأنَّ الخبرَ مصدرٌ، والمصدرُ يُخْبَرُ به عن المفردِ والمثنَّى والجمعِ بلفظٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، وعلى كلِّ حالٍ فجملةُ (مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ) ـ سواءٌ أَقَدَّرْتَ مُبْتَدَأً أم لم تُقَدِّرْ ـ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ، وهو (الذي) ، (فيه) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (نَلَذُّ) الآتي، (نَلَذُّ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ نحن، (ولا) نافيةٌ للجنسِ، (لَذَّاتِ) اسمُ لا مَبْنِيٌّ على الكسرةِ نِيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه جمعُ مُؤَنَّثٍ سالِمٌ في محلِّ نصبٍ، (لِلشِّيبِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ (لا) .

الشاهِدُ فيه: قولُه: (ولا لَذَّاتِ لِلشِّيبِ) حيثُ جاءَ اسمُ لا ـ وهو لَذَّاتِ ـ جمعَ مُؤَنَّثٍ سالمًا، ووَرَدَتِ الروايةُ ببنائِه على الكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ، كما كانَ يُنْصَبُ بها لو أنه مُعْرَبٌ.

(2) اعْلَمْ أنَّ للعلماءِ في اسمِ (لا) إذا كانَ جمعَ مُؤَنَّثٍ سالمًا أربعةَ مَذَاهِبَ:

الأوَّلُ: أنْ يُبْنَى على الكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ من غيرِ تنوينٍ، وهذا مذهَبُ جَمْهَرَةِ النُّحَاةِ.

الثاني: أنْ يُبْنَى على الكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ لكن يَبْقَى له تنوينُه، وهذا مذهَبٌ صَحَّحَهُ ابنُ مالِكٍ صاحبُ الألفيَّةِ، وجَزَمَ به في بعضِ كُتُبِهِ، ونَقَلَه عن قومٍ، وحُجَّتُهُم في عدمِ حذفِ التنوينِ أنه قد تَقَرَّرَ أنَّ تنوينَ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السالِمِ هو تنوينُ المقابَلَةِ، وهو لا يُنَافِي البناءَ، فلا يُحْذَفُ.

الثالِثُ: أنه مَبْنِيٌّ على الفتحِ، وهذا مَذْهَبُ المَازِنِيِّ والفارِسِيِّ،، ورَجَّحَهُ ابنُ هِشَامٍ في (المُغْنِي) ، والمُحَقِّقُ الرَّضِيُّ في (شرحِ الكافِيَةِ) ، وابنُ مالكٍ في بعضِ كُتُبِهِ.

الرابعُ: أنه يَجوزُ فيه البناءُ على الكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ، والبناءُ على الفتحِ.

وزَعَمَ كلُّ شُرَّاحِ الألفيَّةِ أنَّ بَيْتَ سَلاَمَةَ بنِ جَنْدَلٍ (الشاهِدَ رَقْمَ 109) يُرْوَى بالوجهيْنِ جَميعًا، فإذا صَحَّ ذلك لم يَكُنْ لإيجابِ أحدِ الأمريْنِ بِعَيْنِهِ وَجْهٌ وَجِيهٌ، ويُؤْخَذُ من كلامِ ابنِ الأنباريِّ أنَّ بَيْتَ سَلامةَ يُرْوَى بالفتحِ دونَ الكسرِ، فيكونُ تَأْيِيدًا لمذهَبِ المازِنِيِّ ومَن معَه، ولكنَّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَرُدَّ روايةَ الكسرِ بمجرَّدِ كونِ ابنِ الأنباريِّ لم يَحْفَظْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت