الصفحة 263 من 811

وقولُ المصنِّفِ: (وبعدَ ذاكَ الخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ) معناهُ: أنه يُذْكَرُ الخبرُ بعدَ اسمِ (لا) مرفوعًا، والرافِعُ له (لا) عندَ المصنِّفِ وجماعةٍ، وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ الرافِعُ له لا إنْ كانَ اسمُها مضافًا أو مُشَبَّهًا بالمضافِ.

وإنْ كانَ الاسمُ مُفردًا فاخْتُلِفَ في رافِعِ الخبرِ؛ فذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنه ليسَ مرفوعًا بـ (لا) ، وإنما هو مرفوعٌ على أنه خبرُ المبتدأِ؛ لأنَّ مَذْهَبَه أنَّ (لا) واسْمَها المُفْرَدَ في مَوْضِعِ رفعٍ بالابتداءِ، والاسمُ المرفوعُ بعدَهما خبرٌ عن ذلكَ المبتدأِ، ولم تَعْمَلْ (لا) عندَه في هذه الصورةِ إلاَّ في الاسمِ.

وذَهَبَ الأَخْفَشُ إلى أنَّ الخبرَ مرفوعٌ بـ (لا) ، فتكونُ لا عاملةً في الجُزْأَيْنِ كما عَمِلَتْ فيهما معَ المضافِ والمشبَّهِ به.

وأشارَ بقولِهِ: (والثاني اجْعَلاَ) إلى أنه إذا أُتِيَ بعدَ (لا) والاسمِ الواقعِ بعدَها بعاطفٍ ونَكِرَةٍ مفردةٍ وتَكَرَّرَتْ (لا) ، نحوُ: (لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ) يَجُوزُ فيهما خمسةُ أَوْجُهٍ؛ وذلك لأنَّ المعطوفَ عليه إما أنْ يُبْنَى معَ (لا) على الفتحِ أو يُنْصَبَ أو يُرْفَعَ:

فإنْ بُنِيَ معَها على الفتحِ جازَ في الثانِي ثلاثةُ أوجهٍ:

الأوَّلُ: البناءُ على الفتحِ لِتَرَكُّبِهِ معَ لا الثانيةِ، وتكونُ لا الثانيةُ عاملةً عَمَلَ إنَّ، نحوُ: (لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ) [1] .

الثاني: النصبُ عَطْفًا على محَلِّ اسمِ (لا) ، وتكونُ (لا) الثانيةُ زائدةً بينَ العاطِفِ والمعطوفِ، نحوُ: (لا حولَ ولا قُوَّةً إلاَّ باللهِ) ، ومنه قولُه:

110 -لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسَعَ الخَرْقُ على الراقِعِ [2]

(1) وعلى تركيبِ الثانيةِ معَ اسْمِها كتركيبِ الأولَى معَ اسْمِها قَرَأَ أبو عَمْرٍو وابنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خُلَّةَ وَلاَ شَفَاعَةَ) بفتحِ بَيْعَ وخُلَّةَ وشَفَاعَةَ، و (لا) في المواضِعِ الثلاثةِ نافيةٌ للجنسِ عاملةٌ عَمَلَ إنَّ، والاسمُ المفتوحُ بعدَها اسْمُها مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وخَبَرُها ـ فيما عدا الأوَّلَ ـ محذوفٌ لِدَلالةِ ما قبلَه عليه.

ومِن شَوَاهِدِ ذلك قولُ الراجِزِ (وقد أَنْشَدْنَاهُ في شرحِ الشاهدِ رَقْمِ 27 السابقِ) :

نَحْنُ بَنُو خُوَيْلِدٍ صُرَاحَا ... لا كَذِبَ اليومَ ولا مُزَاحَا

(2) البيتُ لأَنَسِ بنِ العَبَّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ، وقيلَ: بل هو لأبي عامرٍ جَدِّ العَبَّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ، ويُرْوَى عَجُزُ البيتِ كما رَوَاهُ الشارِحُ العلاَّمَةُ مِن كَلِمَةٍ عَيْنِيَّةٍ، وبعدَه:

كَالثَّوْبِ إِذْ أَنْهَجَ فيه البِلَى ... أَعْيَا على ذِي الحِيلَةِ الصَّانِعِ

ورَوَى أبو عَلِيٍّ القَالِيُّ صَدْرَ هذا البيتِ معَ عَجُزٍ آخَرَ، وهو:

* اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاتِقِ *

من كَلِمَةٍ قافِيَّةٍ، وقبلَه:

لا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ ولاَ ... بينَكُمُ ما حَمَلَتْ عَاتِقِي

سَيْفِي وما كُنَّا بِنَجْدٍ وما ... قَرْقَرَ قُمْرُ الوادِ بالشاهِقِ

اللغةُ: (خُلَّةً) بضمِّ الخاءِ وتشديدِ اللامِ: هي الصداقةُ، وقد تُطْلَقُ الخُلَّةُ على الصديقِ نفسِه، كما في قولِ رجلٍ مِن بني عبدِ القَيْسِ، وهو أحدُ شُعَرَاءِ الحَمَاسَةِ:

أَلاَ أَبْلِغَا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما تَصِلْ

(الرَّاقِعُ) ومثلُه (الراتِقُ) : الذي يُصْلِحُ مَوْضِعَ الفَسادِ مِن الثوبِ، (أَنْهَجَ) : أَخَذَ في البِلَى، (أَعْيَا) صَعُبَ وشَقَّ واشْتَدَّ، (العاتِقُ) : مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِن المَنْكِبِ (قَرْقَر قُمْرُ) قَرْقَرَ: صَوَّتَ وصاحَ، و (قُمْرُ) يجوزُ أنْ يكونَ جَمْعَ أَقْمَرَ، فوِزَانُه وِزَانُ أَحْمَرَ وحُمْرٍ وأَصْفَرَ وصُفْرٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ جمعَ قُمْرِيٍّ، كـ (رُومٍ) في جمعِ رُومِيٍّ، (الشاهِقُ) : الجبلُ المرتفِعُ.

الإعرابُ: (لا) نافيةٌ للجنسِ، (نَسَبَ) اسمُها، مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (اليومَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ لا، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، ولا زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، (خُلَّةً) معطوفٌ على نَسَبَ، بالنظرِ إلى مَحَلِّ اسمِ (لا) الذي هو النصبُ، (اتَّسَعَ) فِعْلٌ ماضٍ، (الخَرْقُ) فاعلٌ لاتَّسَعَ، (على الراقِعِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (اتَّسَعَ) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (ولا خُلَّةً) ؛ حيثُ نُصِبَ على تقديرِ أنْ تكونَ (لا) زائدةً للتأكيدِ، ويكونَ (خُلَّةً) معطوفًا بالواوِ على مَحَلِّ اسمِ (لا) ـ وهو قولُه (نَسَبَ) ـ عطفَ مفردٍ على مفردٍ، وهذا هو الذي حَمَلَه الشارِحُ تَبَعًا لجمهورِ النُّحَاةِ عليه.

وقالَ يُونُسُ بنُ حَبِيبٍ: إنَّ (خلةً) مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نصبٍ، وذَكَرَ أنه نَوَّنَهُ للضرورةِ، وبناؤُه على الفتحِ عندَه على أنَّ (لا) الثانيةَ عاملةٌ عَمَلَ (إنَّ) مثلَ الأولَى، وخبرُها محذوفٌ، يُرْشِدُ إليه خبرُ الأُولى، والتقديرُ: (ولا خُلَّةً اليومَ) ، والواوُ قد عَطَفَتْ جملةَ (لا) الثانيةِ معَ اسمِها وخبرِها على جملةِ لا الأولى واسْمِها وخَبَرِها، وهو كلامٌ لا مُتَمَسَّكَ له، بل يَجِبُ ألاَّ يُحْمَلَ عليه الكلامُ؛ لأنَّ الحَمْلَ على وجهٍ يَسْتَتْبِعُ الضرورةَ لا يَجُوزُ متى أَمْكَنَ الحَمْلُ على وجهٍ سائغٍ لا ضَرُورَةَ معَه، وهذا إذا وَافَقْنَاهُ على أنَّ تَنْوِينَه للضرورةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (مُفَصَّلِهِ) : إنَّ (خُلَّةً) منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، وليسَ معطوفًا على لفظِ اسمِ لا، ولا على مَحَلِّهِ. والتقديرُ عندَه: لا نَسَبَ اليومَ ولا تَذْكُرْ خُلَّةً.

وهو تَكَلُّفٌ لا مُقْتَضَى له، ويَلْزَمُ عليه عطفُ الجملةِ الفعليَّةِ على الجملةِ الاسميَّةِ، والأفضلُ في العطفِ تَوَافُقُ الجملةِ المعطوفةِ معَ الجملةِ المعطوفِ عليها في الفعليَّة والاسميَّةِ ونحوِهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت