فهرس الكتاب
الثالِثُ: الرفعُ، وفيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ معطوفًا على مَحَلِّ (لا) واسْمِها؛ لأنَّهما في موضِعِ رفعٍ بالابتداءِ عندَ سِيبَوَيْهِ، وحينَئذٍ تكونُ (لا) زائدةً.
الثاني: أنْ تكونَ (لا) الثانيةُ عَمِلَتْ عَمَلَ (ليسَ) .
الثالِثُ: أنْ يكونَ مرفوعًا بالابتداءِ، وليسَ للا عَمَلٌ فيه، وذلك نحوُ: (لا حولَ ولا قُوَّةٌ إلاَّ باللهِ) ، ومنه قولُه:
111 -هَذَا لَعَمْرُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لاَ أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلاَ أَبُ [1]
(1) اخْتَلَفَ العلماءُ في نِسْبَةِ هذا البيتِ اختلافًا كثيرًا؛ فقيلَ: هو لِرَجُلٍ مِن مَذْحِجٍ. وكذلك نَسَبُوه في كتابِ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبو رِيَاشٍ: هو لِهَمَّامِ بنِ مُرَّةَ أخي جَسَّاسِ بنِ مُرَّةَ قاتلِ كُلَيْبٍ. وقالَ ابنُ الأعرابيِّ: هو لرجلٍ مِن بني عبدِ مَنَافٍ. وقالَ الحاتِمِيُّ: هو لابنِ أَحْمَرَ. وقالَ الأَصْفَهَانِيُّ: هو لِضَمْرَةَ بنِ ضَمْرَةَ. وقالَ بعضُهم: إنه من الشعرِ القديمِ جِدًّا، ولا يُعْرَفُ له قائلٌ.
اللغةُ: (هذا لَعَمْرُكُمُ) العَمْرُ، بفتحٍ فسكونٍ: الحياةُ، وقد فُصِلَ بينَ المبتدأِ ـ الذي هو اسمُ الإشارةِ ـ وخبرِه بجملةِ القَسَمِ- وهي قولُه: (لَعَمْرُكُم) - معَ خبرِه المحذوفِ، ويُرْوَى: (هذا وَجَدِّكُمُ) ، والجَدُّ: الحَظُّ والبَخْتُ، وهو أيضًًا أبو الأبِ، و (الصَّغَارُ) بزِنَةِ سَحَابٍ: الذُّلُّ والمَهَانَةُ والحَقَارَةُ، (بِعَيْنِهِ) : يَزْعُمُ بعضُ العلماءِ أنَّ الباءَ زائدةٌ، وكأنه قد قالَ: هذا الصَّغَارُ عَيْنُه، ولا داعِيَ لذلك.
الإعرابُ: (هذا) اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، (لَعَمْرُكُمُ) اللامُ لامُ الابتداءِ، وعَمْرُ: مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ وُجُوبًا، والتقديرُ: لَعَمْرُكُم قَسَمِي، وعَمْرُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ المبتدأِ وخبرِه، لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ، (الصَّغَارُ) خبرُ المبتدأِ الذي هو اسمُ الإشارةِ، (بِعَيْنِهِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ، وقيلَ: الباءُ زائدةٌ. وعليه يكونُ قولُه: (عَيْنِ) تأكيدًا للصَّغَارِ، وعَيْنِ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (لا) نافيةٌ للجِنْسِ، (أُمَّ) اسمُ لا مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نصبٍ، (لي) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ لا، (إنْ) شرطيَّةٌ، (كانَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، فِعْلُ الشرطِ، مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ جزمٍ، (ذاكَ) ذا: اسمُ كانَ، وخَبَرُها محذوفٌ، والتقديرُ: إنْ كانَ ذاكَ محمودًا، أو نحوُه، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، لا: زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، (أَبُ) بالرفعِ: معطوفٌ على مَحَلِّ لا واسْمِها؛ فإنَّهما في مَوْضِعِ رفعٍ بالابتداءِ عندَ سِيبَوَيْهِ، وفيه إعرابانِ آخرانِ سَتَعْرِفُهُما في بَيَانِ الاستشهادِ بالبيتِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (ولا أَبُ) ؛ حيثُ جاءَ مرفوعًا على واحدٍ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ: إما على أنْ يكونَ معطوفًا على مَحَلِّ (لا) معَ اسمِها، كما ذَكَرْنَاهُ في الإعرابِ، أو على أنَّ (لا) الثانيةَ عاملةٌ عَمَلَ لَيْسَ، فالاسمُ المرفوعُ بعدَها هو اسْمُها، وخَبَرُها محذوفٌ، وإما على أنَّ (لا) الثانيةَ لَيْسَتْ عاملةً أَصْلًا، بل هي زائدةٌ، ويكونُ (أَبُ) مبتدأً خبرُه محذوفٌ، وقد ذَكَرَ ذلك الشارِحُ العلاَّمةُ، ومثلُه قولُ جَرِيرِ بنِ عَطِيَّةَ:
بِأَيِّ بَلاءٍ يَا نُمَيْرُ بنَ عامِرٍ ... وأَنْتُم ذُنَابَى لا يَدَيْنِ ولا صَدْرُ
وقد وَرَدَ على غِرارِ ذلك قولُ المُتَنَبِّي:
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيهَا ولا مالُ ... فلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ