فهرس الكتاب
وشاعَ في ذا البابِ إِسْقاطُ الخَبَرْ ... إذَا المُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ [1]
إذا دَلَّ دليلٌ على خَبَرِ (لا) النافِيَةِ للجنسِ وَجَبَ حَذْفُه عندَ التَّمِيمِيِّينَ والطائِيِّينَ، وكَثُرَ حَذْفُه عندَ الحِجَازِيِّينَ، ومثالُه: أنْ يُقالَ: هل مِن رَجُلٍ قائمٍ؟ فتقولُ: (لا رَجُلَ) ، وتَحْذِفُ الخبرَ - وهو: قائمٌ - وُجُوبًا عندَ التَّمِيمِيِّينَ والطائِيِّينَ، وجَوَازًا عندَ الحِجَازِيِّينَ، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ أنْ يكونَ الخبرُ غيرَ ظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ؛ كما مُثِّلَ، أو ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، نحوُ أنْ يُقالَ: هل عندَك رجلٌ، أو هل في الدارِ رجلٌ؟ فتقولُ: لا رَجُلَ.
فإنْ لم يَدُلَّ على الخبرِ دليلٌ لم يَجُزْ حَذْفُه عندَ الجميعِ، نحوُ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ) ). وقولِ الشاعِرِ:
ولا كَرِيمَ مِنَ الْوِلْدَانِ مَصْبُوحُ [2]
(1) (وشاعَ) فِعْلٌ ماضٍ، (في) حرفُ جرٍّ، (ذا) اسمُ إشارةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جرٍّ بفي، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بشاعَ، (البابِ) بَدَلٌ أو عَطْفُ بيانٍ من اسمِ الإشارةِ، (إسقاطُ) فاعلُ شَاعَ، وإسقاطُ مضافٌ و (الخبرِ) مضافٌ إليه، (إذا) ظَرْفٌ للمُسْتَقْبَلِ مِن الزمانِ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (المرادُ) فاعلٌ لفِعْلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ المذكورُ بعدَه، وتَقْدِيرُهُ: إذا ظَهَرَ المرادُ، (معْ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (ظَهَر) الآتي، ومع مضافٌ وسُقُوطِ من (سُقُوطِهِ) مضافٌ إليه، وسُقُوطِ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (ظَهَرْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى المرادُ، والجملةُ مِن ظَهَرْ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ؛ مُفَسِّرَةٌ.
(2) نَسَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (المُفَصَّلِ) (1/ 89 بتحقِيقِنا) هذا الشاهدَ لحاتِمٍ الطَّائِيِّ، ونَسَبَه الجَرْمِيُّ معَ صَدْرِه لأبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ، والصوابُ أنه ـ كما قالَ الأعلمُ ـ لِرَجُلٍ جاهِلِيٍّ مِن بني النَّبِيتِ بنِ قَاسِطٍ (وصوابُه ابنُ مالِكٍ) ، وهو حيٌّ مِن اليمنِ، وكانَ قد اجْتَمَعَ هو وحاتمٌ والنابغةُ عندَ امرأةٍ يقالُ لها: مَاوِيَّةُ بِنْتُ عَفْزَرَ يَخْطُبُونَهَا، فآثَرَتْ حاتِمًا عليهما، وصَدْرُ هذا الشاهدِ:
* إذَا اللِّقَاحُ غَدَتْ مُلْقًى أَصِرَّتُهَا *
وبعضُ النُّحَاةِ - كسِيبَوَيْهِ، والأَعْلَمِ، وتَبِعَهُم الأَشْمُونِيُّ - يَجْعَلُ صدرَ هذا الشاهدِ قولَه:
* وَرَدَّ جَازِرُهُمْ حَرْفًا مُصَرَّمَةً *
وهذا من تركيبِ صدرِ بيتٍ على عَجُزِ بيتٍ آخَرَ، وهاكَ ثلاثةَ أبياتٍ مِنها البيتُ الشاهِدُ لِتَعْلَمَ صِحَّةَ الإنشادِ:
هَلاَّ سَأَلْتِ النَّبِيتِيِّينَ مَا حَسَبِي ... عِنْدَ الشِّتَاءِ إِذَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ
وَرَدَّ جَازِرُهُمْ حَرفًا مُصَرَّمَةً ... في الرأسِ منها وفي الأصلاءِ تَمْلِيحُ
إذا اللِّقَاحُ غَدَتْ مُلْقًى أَصِرَّتُهَا ... ولا كريمَ مِن الوِلْدَانِ مَصْبُوحُ
اللغةُ: (اللِّقَاحُ) جَمْعُ لَقُوحٍ، وهي الناقةُ الحَلُوبُ، (أَصِرَّتُها) جمعُ صِرَارٍ، وهو خيطٌ يُشَدُّ به رأسُ الضَّرْعِ؛ لِئَلاَّ يَرْضَعَها وَلَدُها، وإنما تُلْقَى الأَصِرَّةُ حينَ لا يكونُ دَرٌّ، وذلك في زمنِ القَحْطِ، فالكلامُ كنايةٌ عن الجَدْبِ والقَحْطِ، وكأنه قالَ: إذا اشْتَدَّ الزمانُ، (مَصْبُوحُ) اسمُ مفعولٍ من صَبَحْتُهُ- بتخفيفِ الباءِ - إذا سَقَيْتَه الصَّبُوحَ، وهو ـ بفتحِ الصادِ وضمِّ الباءِ الموحَّدَةِ ـ الشُّرْبُ بالغداةِ، والغَدَاةُ: الوقتُ ما بينَ صلاةِ الفجرِ وطلوعِ الشمسِ.
الإعرابُ: (إِذَا) ظَرْفٌ للزمانِ المستقبَلِ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (اللِّقَاحُ) اسمٌ لِغَدا محذوفًا يَدُلُّ عليه المذكورُ بعدَه، وخبرُه محذوفٌ يَدُلُّ عليه المذكورُ بعدَه، وخَبَرُه محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما بعدَه أيضًًا، والتقديرُ: إذا غَدَتِ اللِّقَاحُ مُلْقًى أَصِرَّتُها، (غَدَتْ) غَدَا: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ بمعنى صارَ، والتاءُ للتأنيثِ، واسْمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى اللِّقَاحِ، (مُلْقًى) خبرُ غَدَا، وهو اسمُ مفعولٍ، (أَصِرَّتُهَا) أَصِرَّةُ: نائبُ فاعلٍ لِمُلْقًى، وأَصِرَّةُ مضافٌ والضميرُ العائدُ إلى اللِّقَاحُ مضافٌ إليه، (ولا) نافيةٌ للجنسِ، (كريمَ) اسْمُها، (مِن الولدانِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لِكَرِيمَ، (مصبوحُ) خبرُ لا.
الشاهدُ فيه: قولُه: (ولا كَرِيمَ مِن الوِلدانِ مَصْبُوحُ) ؛ حيثُ ذَكَرَ خَبَرَ لا، وهو قولُه: (مَصْبُوحُ) ؛ لكونِه ليسَ يُعْلَمُ إذا حُذِفَ، ولو أنه حَذَفَه فقالَ: (ولا كريمَ مِن الوِلْدَانِ) لَفُهِمَ منه أنَّ المرادَ: ولا كريمَ مِن الولدانِ موجودٌ؛ لأنَّ الذي يُحْذَفُ ـ عندَ عَدَمِ قيامِ قَرِينَةٍ ـ هو الكونُ العامُّ، ولا شكَّ أن هذا المعنى غيرُ المقصودِ له.
هذا تخريجُ البيتِ على ما يُرِيدُ الشارِحُ والناظِمُ تَبَعًا لسِيبَوَيْهِ شيخِ النُّحَاةِ.
وقد أجازَ الأَعْلَمُ الشَّنْتَمْرِيُّ وأبو عليٍّ الفَارِسِيُّ وجارُ اللهِ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يكونَ الخبرُ مَحْذُوفًا؛ وعليه يكونُ قولُه: (مَصْبُوحُ) نعتًا لاسمِ لا، باعتبارِ أصلِه، وهو المعبَّرُ عنه بأنه تابعٌ على مَحَلِّ لا واسْمِها معًا؛ لأنَّهما في التقديرِ مبتدأٌ عندَ سِيبَوَيْهِ كما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قالَ الأعلَمُ: (ويجوزُ أنْ يكونَ نعتًا لاسمِها محمولًا على الموضِعِ، ويكونَ الخبرُ محذوفًا لعِلْمِ السامِعِ، وتَقْدِيرُهُ: موجودٌ ونحوُه) . اهـ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وقولُ حَاتِمٍ: ولا كَرِيمَ .... إلخ يَحْتَمِلُ أمريْنِ:
أحدُهما: أنْ يَتْرُكَ فيه طَائِيَّتَه إلى اللغةِ الحجازيَّةِ.
والثاني: ألاَّ يَجْعَلَ (مَصْبُوحُ) خَبَرًا، ولكنْ صِفَةً محمولةً على مَحَلِّ لا معَ المنفيِّ). اهـ.
ويُرِيدُ بتركِ طائيَّتِه أنه ذَكَرَ خبرَ لا؛ لأنَّك قد عَلِمْتَ أنَّ لغةَ الطائيِّينَ حَذْفُ خبرِ لا مُطلقًا، أعني سواءٌ أكانَ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، أم كانَ غَيْرَهُما، متى فُهِمَ ودَلَّتْ عليه قرينةٌ، أو كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، ويكونُ حاتِمٌ قدْ تَكَلَّمَ في هذا البيتِ على لغةِ أهلِ الحِجَازِ الذين يَذْكُرُونَ خبرَ لا عندَ عَدَمِ قِيَامِ القرينةِ على حَذْفِهِ، أو عندَ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِ لِدَاعِيَةٍ مِن الدواعي.
لكنَّ الذي يُقَرِّرُهُ العلماءُ أنَّ العربِيَّ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَكَلَّمَ بغيرِ لُغَتِهِ التي دَرَّبَ عليها لِسَانَهُ، فإنْ نَحْنُ رَاعَيْنَا ذلك وَجَبَ أنْ نَصِيرَ إلى الوجهِ الآخَرِ ـ وهو أنْ نُقَدِّرَ قولَه: (مَصْبُوحُ) نَعتًا لقولِه (لا كريمَ) ؛ أي: نعتًا على مَحَلِّ لا معَ اسمِها، وهو الرفعُ؛ حتى يكونَ كلامُه جَارِيًا على لغةِ قَوْمِهِ. فاعْرِفْ هذا، واللهُ يُرْشِدُكَ ويُبَصِّرُكَ.