فهرس الكتاب
ومثالُ (جَعَلَ) قولُه تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} .
وقَيَّدَ المُصَنِّفُ (جعَلَ) بكونِها بمعنى اعْتَقَدَ؛ احْتِرَازًا مِن (جَعَلَ) التي بمعنى (صَيَّرَ) فإنَّها من أفعالِ التحويلِ، لا من أفعالِ القلوبِ.
ومثالُ (هَبْ) قولُه:
126 -فَقُلْتُ أَجِرْنِي أبا مَالِكٍ ... وإلاَّ فَهَبْنِي امْرأً هَالِكَا [1]
(1) البيتُ لابنِ هَمَّامٍ السَّلُولِيِّ.
اللغةُ: (أَجِرْنِي) اتَّخِذْنِي لَكَ جارًا تَدْفَعُ عنه وتَحْمِيهِ، هذا أَصْلُه، ثُمَّ أُرِيدَ منه لازِمُ ذلك، وهو الغِيَاثُ والدِّفَاعُ والحِمَايَةُ، فمعنى (أَجِرْنِي) حينَئذٍ أَغِثْنِي وادْفَعْ عَنِّي، (أبا مَالِكٍ) يُرْوَى في مكانِه: (أَبَا خَالِدٍ) ، (هَبْنِي) ؛ أي: عُدَّنِي واحْسُبْنِي.
المعنى: فقلتُ: أَغِثْنِي يا أبا مَالِكٍ، فإنْ لم تَفْعَلْ فظُنَّ أني رَجُلٌ مِن الهالِكِينَ.
الإعرابُ: (فَقُلْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (أَجِرْنِي) أَجِرْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ به لأَجِرْ، (أَبَا) مُنَادًى بحرفِ نداءٍ محذوفٍ، وأبا مضافٌ و (مالِكٍ) مضافٌ إليه، (وإلاَّ) هي إنِ الشرطيَّةُ مُدْغَمَةٌ في لا النافيةِ، وفعلُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبلَه مِن الكلامِ، وتَقْدِيرُهُ: وإنْ لا تَفْعَلْ، مَثلًا، (فَهَبْنِي) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشرطِ، هَبْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ أوَّلُ، (امْرأً) مفعولٌ ثانٍ لِهَبْ، (هَالِكًا) نَعْتٌ لامْرِئٍ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (فَهَبْنِي امْرأً) ؛ فإنَّ (هَبْ) فيه بمعنى فِعْلِ الظنِّ، وقد نَصَبَ مفعوليْنِ:
أَحَدُهما: ياءُ المتكلِّمِ.
وثانيهما: قولُه: (امْرأً) على ما أَوْضَحْنَاهُ في الإعرابِ.
واعْلَمْ أنَّ (هَبْ) ـ بهذا المعنى ـ فعلٌ جامدٌ لا يَتَصَرَّفُ، فلا يَجِيءُ مِنه ماضٍ ولا مضارِعٌ، بل هو ملازمٌ لصيغةِ الأمرِ، فإنْ كانَ مِن الهِبَةِ ـ وهي التفضُّلُ بما يَنْفَعُ الموهوبَ له ـ كانَ مُتَصَرِّفًا تامَّ التصرُّفِ، قالَ اللهُ تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} ، وقالَ سُبْحَانَهُ: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا} ، وقالَ: {هَبْ لِي حُكْمًا} .
واعْلَمْ أَيْضًًا أنَّ الغالِبَ على (هَبْ) أنْ يَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ صريحيْنِ كما في البيتِ الشاهِدِ، وقد يَدْخُلُ على (أنَّ) المُؤَكِّدَةِ ومَعْمُولَيْها، فزَعَمَ ابنُ سِيدَهْ والجَرْمِيُّ أنه لَحْنٌ، وقالَ الأَثْبَاتُ من العلماءِ المُحَقِّقِينَ: ليسَ لَحْنًا؛ لأنَّه واقعٌ في فَصيحِ العربيَّةِ.
وقد رُوِيَ من حديثِ عمرَ: (هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا) وهو ـ معَ فصاحتِه ـ قليلٌ.