فهرس الكتاب
ونَبَّهَ المصنِّفُ بقولِهِ: (أَعْنِي رَأَى) على أنَّ أفعالَ القلوبِ منها ما يَنْصِبُ مفعوليْنِ، وهو (رأَى) وما بعدَه مِمَّا ذَكَرَه المصنِّفُ في هذا البابِ، ومنها ما ليسَ كذلك، وهو قِسمانِ: لازمٌ، نحوُ: (جَبُنَ زَيْدٌ) ، ومُتَعَدٍّ إلى واحدٍ، نحوُ: (كَرِهْتُ زَيْدًا) .
هذا ما يَتَعَلَّقُ بالقِسْمِ الأوَّلِ مِن أفعالِ هذا البابِ، وهو أفعالُ القلوبِ، وأمَّا أفعالُ التحويلِ، وهي المرادةُ بقولِهِ: (وَالَّتِي كَصَيَّرَا ... إِلى آخِرِهِ) فتَتَعَدَّى أيضًا إلى مفعوليْنِ أَصْلُهُما المبتدأُ والخبرُ، وعَدَّهَا بعضُهم سبعةً: (صَيَّرَ) ، نحوُ: (صَيَّرْتُ الطينَ خَزَفًا) .
و (جَعَلَ) نحوُ قولِهِ تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} ، (وَهَبَ) ؛ كقولِهِم: (وَهَبَنِي اللهُ فِدَاكَ) ؛ أي: صَيَّرَنِي، و (تَخِذَ) ؛ كقولِهِ تعالى: (لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) ، و (اتَّخَذَ) ؛ كقولِه تعالى: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، و (تَرَكَ) ؛ كقولِهِ تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} ، وقولِ الشاعِرِ:
127 -وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ ... أَخَا الْقَوْمِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَسْحِ شَارِبُهْ [1]
(1) البيتُ لفَرْعَانَ بنِ الأَعْرَفِ ـ ويقالُ: هو فَرْعَانُ بنُ الأَصْبَحِ بنِ الأَعْرَفِ ـ أحدِ بني مُرَّةَ، ثمَّ أَحَدِ بني نِزَارِ بنِ مُرَّةَ، مِن كَلِمَةٍ له يقولُها في ابنِه مُنَازِلٍ، وكانَ له عاقًّا، والبيتُ مِن أبياتٍ رَوَاهُا أبو تَمَّامٍ حَبِيبُ بنُ أَوْسٍ الطَّائِيُّ في دِيوَانِ الحماسةِ (انْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ: 4/ 18 بتحقيقِنا) ، وأَوَّلُ ما رَوَاهُ صاحِبُ الحَمَاسَةِ منها قولُه:
جَزَتْ رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَ مُنَازِلٍ ... جَزَاءً كَمَا يَسْتَنْزِلُ الدَّرَّ حَالِبُهْ
لَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إذَا آضَ شَيْظَمًا ... يَكَادُ يُسَاوِي غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ
فَلَمَّا رَآنِي أُبْصِرُ الشَّخْصَ أَشْخُصًا ... قَرِيبًا وذَا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقَارِبُهْ
تَغَمَّطَ حَقِّي بَاطِلًا ولَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُوَ غَالِبُهْ
اللُّغَةُ: (واسْتَغْنَى عن المَسْحِ شَارِبُهْ) كنايةٌ عن أنه كَبِرَ، واكْتَفَى بنفسِه، ولم تَعُدْ به حاجةٌ إلى الخِدْمَةِ.
الإعرابُ: (رَبَّيْتُهُ) فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، (حتَّى) ابتدائيَّةٌ، (إِذَا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (ما) زائدةٌ، (تَرَكْتُهُ) فِعْلٌ ماضٍ وفاعلُه ومفعولُه الأوَّلُ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، (أخا) مفعولٌ ثانٍ لِتَرَكَ، وأخا مضافٌ و (القومِ) مضافٌ إليه، (وَاسْتَغْنَى) فِعْلٌ ماضٍ، (عَنِ الْمَسْحِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَغْنَى، (شَارِبُهْ) شَارِبُ: فاعلُ اسْتَغْنَى، وشارِبُ مضافٌ والهاءُ ضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (تَرَكْتُهُ أَخَا القَوْمِ) حيثُ نَصَبَ فيه بـ (تَرَكَ) مفعوليْنِ؛ لأنَّه في معنى فعلِ التصييرِ:
أَحَدُهما: الهاءُ التي هي ضميرُ الغائبِ.
وثانيهما: قولُه: (أَخَا القومِ) .
وقد أَوْضَحْنَاهُما في الإعرابِ.
هذا، وقد قالَ الخَطِيبُ التِّبْرِيزِيُّ في (شرحِ الحماسةِ) : (إنَّ(أَخَا القَوْمِ) حالٌ مِن الهاءِ في (تَرَكْتُهُ) ، وساغَ وُقُوعُه حالًا، معَ كونِه مَعْرِفَةً؛ لأنَّه مضافٌ إلى المُحَلَّى بألْ، والحالُ لا يكونُ إلا نكرةً؛ لأنَّه لا يَعْنِي قومًا بأَعْيَانِهِم، ولا يَخُصُّ قومًا دُونَ قَوْمٍ، وإنما عَنَى أنه تَرَكَه قَوِيًّا مُسْتَغْنِيًا لاحقًا بالرجالِ). اهـ بإيضاحٍ.
وعليه لا استشهادَ في البيتِ، ولكنَّ الذي عليه الجماعةُ أَوْلَى بالنظرِ والاعتبارِ؛ لأنَّ (أخا القومِ) مَعْرِفَةٌ، والمعرفةُ لا تَقَعُ حالًا إلا بتأويلٍ، وما لا يُحْوِجُ إلى تأويلٍ أَوْلَى مِمَّا يُحْوِجُ إليه.