الصفحة 287 من 811

كذا تَعَلَّمْ ولِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَا لَهُ زُكِنْ [1]

تَقَدَّمَ أنَّ هذه الأفعالَ قِسمانِ:

أَحَدُهما: أفعالُ القلوبِ.

والثاني: أفعالُ التحويلِ.

فأمَّا أفعالُ القلوبِ فتَنْقَسِمُ إلى مُتَصَرِّفَةٍ وغَيْرِ مُتَصَرِّفَةٍ.

فالمُتَصَرِّفَةُ ما عدا (هَبْ وتَعَلَّمْ) ، فيُسْتَعْمَلُ منها الماضِي، نحوُ: (ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا) ، وغيرُ الماضِي، وهو المضارِعُ، نحوُ: (أَظُنُّ زَيْدًا قَائِمًا) ، والأمرُ، نحوُ: (ظُنَّ زَيْدًا قائِمًا) ، واسمُ الفاعِلِ، نحوُ: (أنا ظانٌّ زيدًا قَائِمًا) ، واسمُ المفعولِ، نحوُ: (زَيْدٌ مَظْنُونٌ أبوه قَائِمًا) ، فأبوه هو المفعولُ الأوَّلُ، وارْتَفَعَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الفاعِلِ، و (قائمًا) المفعولُ الثاني، والمصدرُ نحوُ: (عَجِبْتُ مِن ظَنِّكَ زيدًا قائمًا) ، ويَثْبُتُ لها كلِّها مِن العملِ وغيرِه ما ثَبَتَ للماضِي.

وغيرُ المتصرِّفِ اثنانِ، وهما هَبْ وتَعَلَّمْ بمعنى اعْلَمْ، فلا يُسْتَعْمَلُ منهما إلا صيغةُ الأمرِ؛ كقولِه:

تَعَلَّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا ... فَبَالِغْ بِلُطْفٍ فِي التَّحَيُّلِ وَالْمَكْرِ [2]

وقولِه:

فَقُلْتُ أَجِرْنِي أَبَا مَالِكٍ ... وإلا فَهَبْنِي امْرأً هَالِكَا [3]

واخْتُصَّتِ القَلبيَّةُ المتصرِّفَةُ بالتعليقِ والإلغاءِ [4] ؛ فالتعليقُ: هو تَرْكُ العملِ لفظًا دونَ معنًى لِمَانِعٍ؛ نحوُ: (ظَنَنْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ) ، فقَوْلُكَ: (لَزَيْدٌ قَائِمٌ) لم تَعْمَلْ فيه (ظَنَنْتُ) لفظًا؛ لأجلِ المانِعِ لها مِن ذلكَ، وهو اللامُ، ولكِنَّه في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بدليلِ أنك لو عَطَفْتَ عليه لَنَصَبْتَ، نحوُ: (ظَنَنْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرًا مُنْطَلِقًا) ، فهي عاملَةٌ في (لَزَيْدٌ قائمٌ) في المعنى دونَ اللفظِ [5] .

(1) (كذا) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (تَعَلَّمْ) قُصِدَ لَفْظُهُ: مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (ولِغَيْرِ) الواوُ عاطفةٌ، لِغَيْرِ: جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (اجْعَلِ) الآتي، وغيرِ مضافٌ و (الماضِ) : مضافٌ إليه، (مِن سِوَاهُمَا) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نَعْتٌ لِغَيْرِ، وسِوَى مضافٌ، والضميرُ مضافٌ إليه، (اجْعَلْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (كُلَّ) مفعولٌ به لاجْعَلْ، وكلَّ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ: مضافٌ إليه، (لَهُ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بزُكِن الآتي، (زُكِنْ) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ مِن زُكِنَ ونَائِبِ فاعلِه لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ.

(2) ارْجِعْ إلى شرحِ هذا البيتِ فيما مَضَى أوَّلَ البابِ، وهو الشاهِدُ 120.

(3) قد شَرَحْنَا هذا الشاهِدَ آنِفًا، فارْجِعْ إليه، وهو الشاهِدُ 126.

(4) هذه العبارةُ مُوهِمَةٌ أنَّ التعليقَ والإلغاءَ لا يَجْرِي واحدٌ منهما في غيرِ أفعالِ القلوبِ إلا ما اسْتَثْنَاهُ، وليسَ كذلكَ، بل يَجْرِي التعليقُ في أنواعٍ مِن الأفعالِ سَنَذْكُرُها لكَ فيما بعدُ، وعلى هذا يكونُ معنى كلامِ الناظِمِ والشارِحِ أنَّ الإلغاءَ والتعليقَ مَعًا مِمَّا يَخْتَصُّ بأفعالِ القلوبِ دونَ جَمِيعِ ما عَدَاهَا من الأفعالِ، وهذا لا يُنَافِي أنَّ وَاحِدًا منهما بمفردِه قد يَجْرِي في غيرِ أفعالِ هذا البابِ، وهو التعليقُ.

ثم إنَّ التعليقَ يَجْرِي في أربعةِ أنواعٍ مِن الفعلِ:

الأَوَّلُ: كلُّ فعلِ شَكٍّ لا تَرْجِيحَ فيه لأحدِ الجانبيْنِ على الآخَرِ، نحوُ: شَكَكْتُ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو، ونَسِيتُ أإبراهيمُ مسافِرٌ أم خالِدٌ، وتَرَدَّدْتُ أكانَ معي خالدٌ أمسِ أم لم يَكُنْ.

والثاني: كلُّ فعلٍ يَدُلُّ على العِلْمِ، نحوُ: تَبَيَّنْتُ أصادِقٌ أنتَ أم كاذِبٌ، واتَّضَحَ لي أَمُجْتَهِدٌ أنتَ أم مُقَصِّرٌ.

النوعُ الثالِثُ: كلُّ فعلٍ يُطْلَبُ به العِلْمُ، نحوُ: فَكَّرْتَ أَتُقِيمُ أم تُسَافِرُ؟ وامْتَحَنْتُ عَلِيًّا أَيَصْبِرُ أم يَجْزَعُ؟ وبَلَوْتُ إِبراهيمَ أَيَشْكُرُ الصَّنِيعَةَ أم يَكْفُرُها؟ وسَأَلْتُ أَتَزُورُنَا غَدًا أم لا؟ واسْتَفْهَمْتُ أَمُقِيمٌ أنتَ أم رَاحِلٌ؟

الرابِعُ: كلُّ فِعْلٍ من أفعالِ الحواسِّ الخَمْسِ، نحوُ: لَمَسْتُ، وأَبْصَرْتُ، واسْتَمَعْتُ، وشَمَمْتُ، وذُقْتُ.

(5) مِثْلُ ذلك قولُ كُثَيِّرِ بنِ عبد الرحمنِ صَاحِبِ عَزَّةَ:

وما كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا البُكَى ... ولا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتَّى تَوَلَّتِ

فأنتَ تَرَى أنه عَطَفَ (مُوجِعَاتِ القلبِ) بالواوِ على جملةِ (ما البُكَى) التي عَلَّقَ عنها (أَدْرِي) بسببِ (ما) الاستفهاميَّةِ، وقد أَتَى بالمعطوفِ منصوبًا بالكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سالِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت