الصفحة 294 من 811

ومثالُ استعمالِ (رَأَى) الحُلْمِيَّةِ مُتَعَدِّيَةً إلى اثنيْنِ قولُه تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ، فالياءُ مفعولٌ أوَّلُ، و (أَعْصِرُ خَمْرًا) جملةٌ في مَوْضِعِ المفعولِ الثاني، وكذلك قولُه:

131 -أَبُو حَنَشٍ يُؤَرِّقُنِي وطَلْقٌ ... وعَمَّارٌ وَآوِنَةً أثَالاَ

أَرَاهُمْ رُِفْقَتِي حَتَّى إِذَا مَا ... تَجَافَى الليلُ وانْخَزَلَ انْخِزَالاَ

إذَا أَنا كَالذي يَجْرِي لِوِرْدٍ ... إلى آلٍ فَلَمْ يُدْرِكْ بِلاَلاَ [1]

(1) هذه الأبياتُ لعمرِو بنِ أَحْمَرَ البَاهِلِيِّ، من قصيدةٍ له يَنْدُبُ فيها قَوْمَه ويَبْكِيهِم، وأوَّلُها قولُه:

أَبَتْ عَيْنَاكَ إِلاَّ أَنْ تُلِحَّا ... وَتَحْتَالاَ بِمَا بِهِمَا احْتِيَالاَ

كأَنَّهُمَا سُعَيْنَا مُسْتَغِيثٍ ... يُرَجِّي طَالِعًا بِهِمَا ثِقَالاَ

وَهَى خَرَزَاهُمَا فالماءُ يَجْرِي ... خِلالَهُمَا ويَنْسَلُّ انْسِلاَلاَ

على حَيَّيْنِ في عاميْنِ شَتَّى ... فَقَدْ عَنَّى طِلابُهُمَا وطَالاَ

فَأَيَّةُ لَيْلَةٍ تَأْتِيكَ سَهْوًا ... فتُصْبِحَ لا تَرَى فيهم خَيَالاَ

والبيتُ الأوَّلُ مِن ثلاثةِ الأبياتِ التي رَوَاهَا الشارِحُ قدِ اسْتَشْهَدَ به سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 243) في بابِ التَّرْخِيمِ في غيرِ النداءِ للضرورةِ، وسَتَعْرِفُ وجهَ ذلك فيما يلي في الإعرابِ.

اللغةُ: (تُلِحَّا) مِن قَوْلِهِم: (أَلَحَّ السَّحَابُ) إذا دامَ مَطَرُه، يريدُ أنْ تَدُومَا على البكاءِ، (سُعَيْنَا مُسْتَغِيثٍ) سُعَيْنَا مُثَنَّى سُعَيْنٍ، وهو تصغيرُ سُعْنٍ، بوزنِ قُفْلٍ ـ وهي القِرْبَةُ تُقْطَعُ مِن نِصْفِها لِيُنْبَذَ فيها، ورُبَّمَا اتُّخِذَتْ دَلْوًا يُسْتَقَى بها، والمُسْتَغِيثُ: طالِبُ الغَيْثِ، وهو المطرُ، (على حَيَّيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بقولِه: تُلِحَّا.

يقولُ: امْتَنَعَتْ عيناكَ عن كلِّ شيءٍ إلاَّ أنْ يَدُومَ بُكَاؤُهما على حَيَّيْنِ، (وَهَى) ضَعُفَ أو انْشَقَّ، (أبو حَنَشٍ، وطَلْقٌ، وعَمَّارٌ، وأثَالاَ) أَعلامُ رِجَالٍ، (تَجَافَى الليلُ وانْخَزَلَ انْخِزَالاَ) كِنايتانِ عن الظهورِ، وبيانُ ما كانَ مبْهَمًا من أمرِ هؤلاء، (آلٍ) هو السرابُ وما تَرَاهُ وَسَطَ النهارِ كأنه ماءٌ وليسَ بماءٍ، (بِلاَلاَ) بزِنَةِ كِتَابٍ: ما تَبُلُّ به حَلْقَكَ مِن الماءِ وغيرِه، (آوِنَةً) جمعُ أَوَانٍ، مثلُ زَمَانٍ وأَزْمِنَةٍ، ومكانٍ وأَمْكِنَةٍ، والأوانُ والزمانث بمعنًى واحدٍ، (رُِفْقَتِي) بضمِّ الراءِ أو كَسْرِها: جَمْعُ رَفِيقٍ، (لِوِرْدٍ) بكسرِ الواوِ وسكونِ الراءِ: إتيانُ الماءِ.

الإعرابُ: (أبو حَنَشٍ) مبتدأٌ، وجملةُ (يُؤَرِّقُنِي) في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (وعَمَّارٌ) وسائرُ الأعلامِ معطوفاتٌ على (أبو حَنَشٍ) ، وقد رَخَّمَ (أَثَالَ) في غيرِ النداءِ ضرورةً، وأصلُه أَثَالَةُ، ولم يَكْتَفِ بتَرْخِيمِه بحذفِ آخرِه، بل جَعَلَ إعرابَه على الحرفِ المحذوفِ، وأَبْقَى الحرفَ الذي قبلَه على ما كانَ عليه، فهو مرفوعٌ بضمَّةٍ ظاهرةٍ على الحرفِ المحذوفِ للترخيمِ، (أَرَاهُمْ) أَرَى: فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، والضميرُ المُتَّصِلُ البارِزُ مفعولٌ أَوَّلُ، (رُفْقَتِي) رُفْقَة: مفعولٌ ثانٍ لأَرَى، ورُفْقَة مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (أَرَاهُمْ رُفْقَتِي) حيثُ أَعْمَلَ (أَرَى) في مفعوليْنِ:

أحدُهما: الضميرُ البارِزُ المتَّصِلُ به.

والثاني: قولُه: (رُفْقَتِي) ، ورَأَى بمعنى حَلَمَ؛ أي: رَأَى في منامِه، وقد أُجْرِيَتْ مُجْرَى (عَلِمَ) وإنما عَمِلَتْ مثلَ عَمَلِها؛ لأنَّ بينَهما تَشَابُهًا؛ لأنَّ الرُّؤْيَا إدراكٌ بالحِسِّ الباطِنِ، فلهذا أُجْرِيَتْ مُجْرَاهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت