فهرس الكتاب
أنْ يكونَ أحدُ المفعوليْنِ اسْمَ استفهامٍ، نحوُ: (عَلِمْتُ أَيُّهُم أَبُوكَ) .
الثانيةُ: أنْ يكونَ مضافًا إلى اسمِ استفهامٍ؛ نحوُ: (عَلِمْتُ غلامُ أَيِّهم أَبُوكَ) .
الثالثةُ: أنْ تَدْخُلَ عليه أداةُ الاستفهامِ، نحوُ: (عَلِمْتُ أَزَيْدٌ عندَكَ أم عَمْرٌو) ، و (عَلِمْتُ هل زيدٌ قائمٌ أم عمرٌو) .
لعِلْمِ عِرْفَانٍ وظَنِّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ [1]
إذا كانَتْ (عَلِمَ) بمعنى عَرَفَ تَعَدَّتْ إلى مفعولٍ واحدٍ؛ كقولِكَ: (عَلِمْتُ زيدًا) ؛ أي: عَرَفْتُه، ومنه قولُه تعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} .
وكذلك إذا كَانَتْ (ظَنَّ) بمعنى اتَّهَمَ تَعَدَّتْ إلى مفعولٍ واحدٍ؛ كقولِكَ: (ظَنَنْتُ زَيْدًا) ؛ أي: اتَّهَمْتُه، ومنه قولُه تعالى: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ) ؛ أي: بِمُتَّهَمٍ.
ولِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا ... طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ انْتَمَى [2]
إذا كانَتْ رَأَى حُلْمِيَّةً [3] - أي: للرُّؤْيَا في المَنَامِ- تَعَدَّتْ إلى المفعوليْنِ؛ كما تَتَعَدَّى إليهما (عَلِمَ) المذكورةُ مِن قبلُ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ) ؛ أي: انْسُبْ لِرَأَى التي مَصْدَرُها الرؤيا ما نُسِبَ لعَلِمَ المتعدِّيَةِ إلى اثنيْنِ، فعَبَّرَ عن الحُلْمِيَّةِ بما ذَكَرَ؛ لأنَّ (الرؤيا) وإنْ كانَتْ تَقَعُ مصدرًا لِغَيْرِ (رَأَى) الحُلْمِيَّةِ فالمشهورُ كونُها مصدرًا لها [4] .
(1) (لِعِلْمِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، وعِلْمِ مضافٌ و (عِرْفَانٍ) مضافٌ إليه، (وظَنِّ) معطوفٌ على عِلْمِ، وظنِّ مضافٌ و (تُهَمَة) مضافٌ إليه، (تَعْدِيَةٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (لواحِدٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَعْدِيَةٌ، (مُلْتَزَمَة) نعتٌ لِتَعْدِيَةٌ.
(2) (لِرَأَى) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْمِ، ورَأَى المقصودُ لَفْظُه مضافٌ، و (الرُّؤْيَا) مضافٌ إليه، (انْمِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ به لانْمِ، (لِعَلِمَا) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْتَمَى، (طَالِبَ) حالٌ مِن عَلِمَ، وطالبَ مضافٌ و (مفعوليْنِ) مضافٌ إليه، (مِن قَبْلُ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْتَمَى، (انْتَمَى) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ مِن انْتَمَى وفاعلِه ومُتَعَلِّقَاتِه لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ؛ أي: انْسُبْ لِرَأَى الرؤيا ما انْتَسَبَ لعَلِمَ حالَ كَوْنِهِ طَالِبَ مفعوليْنِ.
(3) (حُلْمِيَّةً) هو بضمِّ الحاءِ وسكونِ اللامِ أو ضَمِّها، نِسْبَةً إلى الحُلْمِ، بوِزَانِ قُفْلٍ أو عُنُقٍ، وهو مصدرُ حَلَمَ يَحْلُمُ، مثلُ قَتَلَ يَقْتُلُ: إذا رَأَى في مَنَامِه شيئًا.
(4) المشهورُ عندَ عُلَمَاءِ اللغةِ أَنَّكَ تقولُ: رأيتُ رُؤْيا صَالِحَةً، إذا كُنْتَ تُرِيدُ أنَّكَ رَأَيْتَ في مَنامِكَ، وتقولُ: (رَأَيْتُ رُؤْيَةً) إذا كُنْتَ تُرِيدُ أنَّكَ أَبْصَرْتَ بِعَيْنِكَ في حالِ يَقَظَتِكَ، وبعضُ أهلِ اللغةِ يُوجِبُونَ ذلك، ولا يُجِيزُونَ خِلافَه، وبعضُهم يُجِيزُ أنْ تقولَ: رأيتُ رُؤْيَا ـ بالألفِ ـ وأنتَ تُرِيدُ معنَى أَبْصَرْتُ في حالِ اليَقَظَةِ، ويَسْتَشْهِدُونَ على صِحَّةِ ذلك بقولِ الراعِي يَصِفُ صَيَّادًا أَبْصَرَ الصَّيْدَ فَسَرَّهُ ذلكَ:
فَكَبَّرَ لِلرُّؤْيَا وهَشَّ فُؤَادُهُ ... وبَشَّرَ قَلْبًا كَانَ جَمًّا بَلاَبِلُهْ
ويُرْوَى:
* وبَشَّرَ نَفْسًا كانَ قَبْلُ يَلُومُهَا *
ومعَ أنهم جَوَّزُوا ذلك، واستَدَلُّوا لصحَّتِه، ليسَ في مُكْنَتِهِم أنْ يَدَّعُوا كَثْرَتَه، بل الكثيرُ المشهورُ المتعارَفُ هو ما ذَكَرْناه أوَّلًا؛ ولهذا كانَ قولُ الناظِمِ: (وَلِرَأَى الرُّؤْيَا) إشارةً إلى رَأَى الحُلْمِيَّةِ.