الصفحة 292 من 811

التقديرُ: (أني وَجَدْتُ لَمِلاكُ الشِّيمَةِ الأدبُ) ، فهو مِن بابِ التعليقِ، وليسَ مِن بابِ الإلغاءِ في شيءٍ.

وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وتَبِعَهُم أبو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ وغيرُه، إلى جَوَازِ إلغاءِ المتقدِّمِ، فلا يَحْتَاجُونَ إلى تأويلِ البيتيْنِ.

وإنما قالَ المصنِّفُ: (وجَوِّزِ الإلغاءَ) لِيُنَبِّهَ على أنَّ الإلغاءَ ليسَ بلازِمٍ، بل هو جائِزٌ، فحَيْثُ جازَ الإلغاءُ جازَ الإعمالُ؛ كما تَقَدَّمَ، وهذا بخلافِ التعليقِ؛ فإنَّه لازِمٌ، ولهذا قالَ: (والْتُزِمَ التعليقُ) .

فيَجِبُ التعليقُ إذَا وَقَعَ بعدَ الفعلِ (ما) النافيةُ، نحوُ: (ظَنَنْتُ ما زيدٌ قائمٌ) ، أو (إنِ) النافيةُ، نحوُ: (عَلِمْتُ إنْ زَيْدٌ قائِمٌ) ، ومَثَّلُوا له بقولِه تعالى: {وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا} .

وقالَ بعضُهم: ليسَ هذا مِن بابِ التعليقِ في شيءٍ؛ لأنَّ شَرْطَ التعليقِ أنه إذَا حُذِفَ المُعَلِّقُ تَسَلَّطَ العامِلُ على ما بعدَه؛ فيَنْصِبُ مفعوليْنِ، نحوُ: (ظَنَنْتُ ما زَيْدٌ قَائِمٌ) ، فلو حُذِفَتْ (ما) لَقُلْتَ: (ظَنَنْتُ زَيدًا قائِمًا) ، والآيةُ الكريمةُ لا يَتَأَتَّى فيها ذلك؛ لأنك لو حَذَفْتَ المعلِّقَ، وهو (إنْ) لم يَتَسَلَّطْ (تَظُنُّونَ) على (لَبِثْتُمْ) ؛ إذ لا يُقالُ: وتَظُنُّونَ لَبِثْتُمْ.

هكذا زَعَمَ هذا القائِلُ، ولَعَلَّه مُخَالِفٌ لِمَا هو كالمُجْمَعِ عليه مِن أنه لا يُشْتَرَطُ في التعليقِ هذا الشرطُ الذي ذَكَرَه، وتَمْثِيلُ النَّحْوِيِّينَ للتعلِيقِ بالآيةِ الكريمةِ وشِبْهِها يَشْهَدُ لذلكَ، وكذلك يُعَلَّقُ الفعلُ إذا وَقَعَ بعدَه (لا) النافيةُ، نحوُ: (ظَنَنْتُ لا زيدٌ قائمٌ ولا عَمْرٌو) ، أو لامُ الابتداءِ، نحوُ: (ظَنَنْتُ لزيدٌ قَائِمٌ) ، أو لامُ القَسَمِ، نحوُ: (عَلِمْتُ لَيَقُومَنَّ زيدٌ) ، ولم يَعُدَّها أحدٌ مِن النحْويِّينَ مِن المُعَلِّقَاتِ [1] ، أو الاستفهامُ وله صُوَرٌ ثلاثٌ:

(1) قد ذَهَبَ إلى أنَّ لامَ القَسَمِ مُعَلِّقَةٌ للفعلِ عن العملِ في لفظِ الجملةِ ـ معَ بقاءِ الفعلِ على معناه ـ قومٌ، منهم الأَعْلَمُ الشَّنْتَمْرِيُّ، وتَبِعَه الناظِمُ، وابنُه، وابنُ هِشَامٍ الأنصاريُّ في أَغْلَبِ كُتُبِهِ، ومَثَّلُوا لذلكَ بقولِهِ تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} ، وبقولِ الشاعِرِ:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... لاَ بَعْدَهَا خَوْفٌ عَلَيَّ ولا عَدَمْ

وبقولِ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ:

ولَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... إِنَّ المَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا

وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ، وتَبِعَه المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ، وجَمْهَرَةُ النُّحَاةِ، إلى أنَّ (عَلِمَ) في هذه الشواهِدِ كلِّها قد خَرَجَتْ عن معناها الأصليِّ، ونَزَلَتْ مَنْزِلَةَ القَسَمِ، وما بعدَها جملةٌ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ جوابُ القَسَمِ الذي هو عَلِمْتُ، وحينَئذٍ تَخْرُجُ عمَّا نحنُ بِصَدَدِهِ، فلا تَقْتَضِي معمولًا، ولا تَتَّصِفُ بإلغاءٍ ولا تعليقٍ ولا إعمالٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 254 ـ 256) :(هذا بابُ الأفعالِ في القَسَمِ ... وقالَ لَبِيدٌ:

* وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ *

كأنه قالَ: واللهِ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي، كما قالَ: لقد عَلِمْتُ لعبدُ اللهِ خَيْرٌ مِنْكَ). اهـ.

وقالَ المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ (ج 2 ص 261) :(وأمَّا قولُه:

* ولقد عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ *

فإنما أَجْرَى لقد عَلِمْتُ معنى التحقيقِ). اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت