فهرس الكتاب
فالتقديرُ: (وما إخالُه لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلٌ) ، فالهاءُ ضميرُ الشأنِ، وهي المفعولُ الأوَّلُ، (ولَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ) جملةٌ في موضعِ المفعولِ الثاني، وحينَئذٍ فلا إلغاءَ، أو على تقديرِ لامِ الابتداءِ؛ كقولِهِ:
130 -كَذَاكَ أُدِّبْتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشِّيمَةِ الأَدَبُ [1]
(1) هذا البيتُ مِمَّا اخْتَارَه أبو تَمَّامٍ في حَمَاسَتِه، ونَسَبَه إلى بعضِ الفَزَارِيِّينَ ولم يُعَيِّنْه، (وانْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ على الحَمَاسَةِ 3/ 147 بتحقِيقِنَا) .
اللغةُ: (كذاكَ أُدِّبْتُ) الكافُ في مثلِ هذا التعبيرِ اسمٌ بمعنى مِثْلَ، صِفَةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، واسمُ الإشارةِ يُرَادُ به مصدرُ الفعلِ المذكورِ بعدَه، وتقديرُ الكلامِ: تَأْدِيبًا مثلَ ذلك التأديبِ، وذلك التأديبُ هو الذي ذَكَرَه في البيتِ السابقِ عليه، وهو قولُه:
أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَهُ ... ولا أُلَقِّبُهُ والسَّوْأَةُ اللَّقَبُ
(مِلاَكَ) بِزِنَةِ كِتَابٍ: قِوَامُ الشيءِ وما يَجْمَعُه، (الشِّيمَةِ) الخُلُقِ، وجَمْعُها شِيَمٌ، كقِيمَةٍ وقِيَمٍ.
الإعرابُ: (كَذَاكَ) الكافُ اسمٌ بِمَعْنَى مِثْلَ نَعْتٌ لمحذوفٍ، واسمُ الإشارةِ مضافٌ إليه، أو الكافُ جَارَّةٌ لِمَحَلِّ اسمِ الإشارةِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ يَقَعُ نَعتًا لمصدرٍ محذوفٍ يَقَعُ مفعولًا مُطْلَقًا لأُدِّبْتُ، والتقديرُ على كلِّ حالٍ: تَأْدِيبًا مثلَ هذا التأديبِ أُدِّبْتُ، (أُدِّبْتُ) أُدِّب: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والتاءُ ضميرُ المتكلِّمِ: نائبُ فاعلٍ، (حتى) ابتدائيَّةٌ، (صارَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ، لا مَحَلَّ له مِنَ الإعرابِ، (مِنْ خُلُقِي) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ صارَ مُقَدَّمٌ، وخُلُقِ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (أَنِّي) أنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (وَجَدْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ مِن وَجَدَ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ أنَّ، وأنَّ ومَعْمُولاَها في تأويلِ مصدرٍ اسمٌ صارَ، (مِلاكُ) مبتدأٌ، ومِلاكُ مضافٌ، و (الشِّيمَةِ) مضافٌ إليه، (الأَدَبُ) خبرُ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ سَدَّتْ مَسَدَّ مفعولَيْ وَجَدَ، على تقديرِ لامِ ابتداءٍ عَلَّقَتْ هذا الفعلَ عن العملِ في لفظِ جُزْأَي هذه الجملةِ، والأصلُ: وَجَدْتُ لَمِلاَكُ الشيمةِ الأَدَبُ، أو الجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لِوَجَدَ، ومفعولُ وَجَدَ الأوَّلُ ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وأصلُ الكلامِ: وَجَدْتُهُ؛ (أي: الحالَ والشأنَ) مِلاكُ الشِّيمَةِ الأَدَبُ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (وَجَدْتُ مِلاكُ الشِّيمَةِ الأَدَبُ) ؛ فإنَّ ظاهرَه أنَّه أَلْغَى (وَجَدْتُ) معَ تَقَدُّمِه؛ لأنَّه لو أَعْمَلَه لقالَ: (وَجَدْتُ مِلاكَ الشِّيمَةِ الأَدَبَا) بنصبِ (ملاكَ) و (الأدبَ) على أنهما مفعولانِ، ولكنَّه رَفَعَهما، فقالَ الكُوفِيُّون: هو من بابِ الإلغاءِ، والإلغاءُ جائزٌ معَ التقدُّمِ مثلُ جَوَازِه معَ التوسُّطِ والتأخُّرِ.
وقالَ البَصْرِيُّونَ: ليسَ كذلك، بل هو إما من بابِ التعليقِ، ولامُ الابتداءِ مُقَدَّرَةُ الدخولِ على (مِلاكُ) ، وإما من بابِ الإعمالِ، والمفعولُ الأوَّلُ ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ، على ما بَيَّنَّاهُ في إعرابِ البيتِ، والمُنْصِفُ الذي يَعْرِفُ مَوَاطِنَ الحقِّ يُدْرِكُ ما في هذين التأويليْنِ مِن التكَلُّفِ.