الصفحة 290 من 811

أَحْسَنُ، وإنْ تَقَدَّمَتِ امْتَنَعَ الإلغاءُ عندَ البَصْرِيِّينَ، فلا تقولُ: (ظَنَنْتُ زيدٌ قائمٌ) ، بل يَجِبُ الإعمالُ، فتقولُ: (ظَنَنْتُ زَيدًا قَائِمًا) ، فإنْ جاءَ مِن لِسانِ العربِ ما يُوهِمُ إِلغاءَهَا مُتَقَدِّمَةً أُوِّلَ على إضمارِ ضميرِ الشأنِ؛ كقولِهِ:

129 -أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا ... وما إخالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ [1]

(1) هذا البيتُ لِكَعْبِ بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى المُزَنِيِّ، مِن قَصِيدَتِه التي يَمْدَحُ بها سَيِّدَنَا رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتي مَطْلَعُها:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفَدْ مَكْبُولُ

وما سُعَادُ غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلَتْ ... إِلاَّ أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

اللغةُ: (بَانَتْ) بَعُدَتْ وفَارَقَتْ، (مَتْبُولُ) اسمُ مفعولٍ من تَبَلَه الحبُّ؛ أي: أَضْنَاهُ وأَسْقَمَهُ، (مُتَيَّمٌ) اسمُ مفعولٍ مِن تَيَّمَهُ الحبُّ ـ بالتضعيفِ ـ إذا ذَلَّلَهُ وقَهَرَه وعَبَّدَهُ، (إِثْرَهَا) بَعْدَها، وهو ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَيَّمٌ، (يُفْدَ) أَصْلُه من قولِهم: فَدَى فلانٌ الأسيرَ يَفْدِيهِ فِدَاءً، إذا دَفَعَ لآسِرِيهِ جَزَاءَ إِطلاقِه، (مَكْبُولُ) اسمُ مفعولٍ مأخوذٌ مِن قولِهم: كَبَلَ فلانٌ الأسيرَ، إذا وَضَعَ فيه الكَبْلَ، وهو القَيْدُ، (تَدْنُو) تَقْرُبَ، (تَنْوِيلُ) عَطَاءٌ.

الإعرابُ: (أَرْجُو) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (وَآمُلُ) مِثْلُه، (أنْ) مصدريَّةٌ، (تَدْنُو) فِعْلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنْ، وسُكِّنَتِ الواوُ ضرورةً، (مَوَدَّتُهَا) مَوَدَّةُ: فاعلُ تَدْنُو، ومَوَدَّةُ مضافٌ وها: مضافٌ إليه، (وما) نافيةٌ، (إخالُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (لَدَيْنَا) لَدَى: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، ولَدَى مضافٌ ونا: مضافٌ إليه، (مِنْكِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ صاحِبُه تَنْوِيلُ، (تَنْوِيلُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لإخالُ، والمفعولُ الأوَّلُ ضميرُ شأنٍ محذوفٌ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وما إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ) ؛ فإنَّ ظاهرَه أنه أَلْغَى (إِخَالُ) معَ كَوْنِهَا مُتَقَدِّمَةً، وليسَ هذا الظاهِرُ مُسَلَّمًا؛ فإنَّ مَفْعُولَهَا الأوَّلَ مفردٌ محذوفٌ هو ضميرُ الشأنِ، ومَفْعُولَهَا الثانِيَ جملةُ (لَدَيْنَا تَنْوِيلٌ مِنكِ) كما قَرَّرْنَاهُ في إعرابِ البيتِ.

هذا أحدُ توجيهاتٍ في البيتِ، وهو الذي ذَكَرَه الشارِحُ، وفيه توجيهٌ ثانٍ، وحاصلُه أن (ما) موصولةٌ مبتدأٌ، وقولَه: (تَنْوِيلُ) خَبَرُها، و (إخالُ) عاملةٌ في مفعوليْنِ: أَحَدُهما ضميرُ غَيْبَةٍ محذوفٌ، وهو العائدُ على (ما) ، وثانيهما مُتَعَلِّقُ قولِه: (لَدَيْنَا) ، والتقديرُ: والذي إِخَالُه كائنًا لَدَيْنَا مِنْكِ هو تَنْوِيلٌ.

وفيه توجيهاتٌ أُخْرَى لا تَتَّسِعُ لها هذه العُجَالَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت