فهرس الكتاب
القولُ شَأْنُه إذا وَقَعَتْ بعدَه جملةٌ أنْ تُحْكَى، نحوُ: (قالَ زيدٌ: عمرٌو مُنْطَلِقٌ) ، وتقولُ: (زيدٌ مُنْطَلِقٌ) لكِنَّ الجُمْلَةَ بعدَه في مَوْضِعِ نَصْبٍ على المفعوليَّةِ.
ويَجُوزُ إجراؤُه مُجْرَى الظنِّ، فيَنْصِبُ المبتدأَ والخبرَ مفعوليْنِ، كما تَنْصِبُهُما (ظَنَّ) .
والمشهورُ أنَّ للعربِ في ذلك مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهما، وهو مَذْهَبُ عامَّةِ العربِ: أنه لا يُجْرَى القولُ مُجْرَى الظنِّ إلا بِشُرُوطٍ، ذَكَرَها المصنِّفُ أَرْبَعَةً، وهي التي ذَكَرَها عامَّةُ النحْويِّينَ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ الفِعْلُ مُضارِعًا.
الثاني: أنْ يكونَ للمُخَاطَبِ، وإليهما أشارَ بقولِه: (اجْعَلْ تَقُولُ) ؛ فإنَّ (تقولُ) مُضَارِعٌ، وهو للمخاطَبِ.
الشرطُ الثالِثُ: أنْ يكونَ مسبوقًا باستفهامٍ، وإليه أشارَ بقولِه: (إنْ وَلِي مُسْتَفْهَمًا به) .
الشرطُ الرابِعُ: ألاَّ يُفْصَلَ بينَهما؛ أي: بينَ الاستفهامِ والفعلِ، بغيرِ ظرفٍ ولا مجرورٍ ولا معمولِ الفعلِ، فإنْ فُصِلَ بأَحَدِها لم يَضُرَّ، وهذا هو المرادُ بقولِه: (وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ ... إِلَى آخِرِه) .
فمِثالُ ما اجْتَمَعَتْ فيه الشروطُ قولُكَ: (أَتَقُولُ عَمْرًا مُنْطَلِقًا) ؛ فعمرًا مفعولٌ أوَّلُ، ومُنْطَلِقًا مفعولٌ ثانٍ، ومنه قولُه:
134 -مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا ... يَحْمِلْنَ أُمَّ قَاسِمٍ وَقَاسِمَا [1]
(1) البيتُ لِهُدْبَةَ بنِ خَشْرَمٍ العُذْرِيِّ، مِن أُرْجُوزَةٍ رَوَاهَا غيرُ واحدٍ مِن حَمَلَةِ الشعرِ، ومنهم التِّبْرِيزِيُّ في (شرحِ الحماسةِ) (2/ 46) ، ولكنَّ رِوَايَةَ التِّبْرِيزِيِّ للبيتِ المُسْتَشْهَدِ به على غيرِ الوجهِ الذي يَذْكُرُهُ النُّحَاةُ، ورِوَايَتُه هكذا:
لَقَدْ أَرَانِي وَالْغُلاَمَ الْحَازِمَا ... نُزْجِي الْمَطِيَّ ضُمَّرًا سَوَاهِمَا
مَتَى يَقُودُ الذُّبَّلَ الرَّوَاسِمَا ... وَالْجِلَّةَ النَّاجِيَةَ الْعَوَاهِمَا
اللغةُ: (القُلُصَ) بزِنَةِ كُتُبٍ وسُرُرٍ: جمعُ قَلُوصٍ، وهي الشابَّةُ الفَتِيَّةُ مِن الإبلِ، وهي أوَّلُ ما يُرْكَبُ مِن إناثِ الإبلِ خاصَّةً، (الرَّوَاسِمَ) المُسْرِعَاتِ في سَيْرِهِنَّ، مأخوذٌ مِن الرَّسِيمِ، وهو ضَرْبٌ مِن سَيْرِ الإبلِ السريعِ، (يَحْمِلْنَ) يُرْوَى في مكانِه: (يُدْنِينَ) ، ومعناه: يَقْرُبْنَ، (أُمَّ قَاسِمٍ) هي كُنْيَةُ امرأةٍ، وهي أختُ زِيَادَةَ بنِ زَيْدٍ العُذْرِيِّ.
المعنى: متَى تَظُنُّ النُّوقَ المُسْرِعَاتِ يُقَرِّبْنَ مِنِّي مَن أُحِبُّ أنْ يَحْمِلْنَهُ إِلَيَّ؟
الإعرابُ: (متى) اسمُ استفهامٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ، وعامِلُه تقولُ، (تقولُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (القُلُصَ) مفعولٌ به أوَّلُ لِتَقُولُ، (الرَّوَاسِمَا) نَعْتٌ لِلْقُلُصَ، (يَحْمِلْنَ) يَحْمِل: فعلٌ مضارِعٌ، ونونُ الإناثِ فاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لِتَقُولُ، (أُمَّ) مفعولٌ به لِيَحْمِلْنَ، وأمَّ مضافٌ و (قَاسِمٍ) مضافٌ إليه، (وقَاسِمَا) معطوفٌ على أُمَّ قَاسِمٍ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (تَقُولُ الْقُلُصَ ... يَحْمِلْنَ) ؛ حيثُ أَجْرَى تقولُ مُجْرَى تَظُنُّ، فنَصَبَ به مفعوليْنِ:
الأوَّلُ: قولُه: (القُلُصَ) والثاني: جملةُ (يَحْمِلْنَ) مِن الفعلِ وفاعلِه، كما قَرَّرْنَاهُ لكَ في الإعرابِ؛ وذلك لاستيفائِه الشروطَ، ويَرْوِيهِ بعضُهم: * مَتَى تَظُنُّ .. إلخ * فلا شاهدَ فيه، ولكنَّه دليلٌ على أنَّ (تقولُ) يَجْرِي مَجْرَى تَظُنُّ؛ لأنَّه إذا وَرَدَتْ روايتانِ في بيتٍ واحدٍ، وجاءَتْ كَلِمَةٌ في إحدَى الروايتيْنِ مكانَ كَلِمةٍ في الروايةِ الأخرى، دَلَّ ذلك على أنَّ الكَلِمَتَيْنِ بمعنًى واحدٍ؛ إذ لو اخْتَلَفَ معناهما لم يَسُغْ لِرَاوٍ أو لشاعرٍ آخَرَ أنْ يَضَعَ إِحْدَاهُما مكانَ الأخرى؛ لئلا يُفْسِدَ المَعْنَى الذي قَصَدَ إليه قائلُ البيتِ؛ لأنَّ شرطَ الروايةِ بالمعنى ألاَّ تُغَيِّرَ المرادَ.