الصفحة 299 من 811

فلو كانَ الفعلُ غيرَ مضارعٍ، نحوُ: (قالَ زيدٌ: عَمْرٌو منطلِقٌ) لم يَنْصِبِ القوْلُ مفعوليْنِ عندَ هؤلاء، وكذا إنْ كانَ مضارعًا بغيرِ تاءٍ، نحوُ: (يقولُ زيدٌ: عَمْرٌو منطلِقٌ) ، أو لم يَكُنْ مسبوقًا باستفهامٍ، نحوُ: (أنتَ تقولُ: عمرٌو مُنْطَلِقٌ) ، أو سُبِقَ باستفهامٍ ولكن فُصِلَ بغيرِ ظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ ولا معمولٍ له، نحوُ: (أَأَنْتَ تقولُ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ) .

فإنْ فُصِلَ بأَحَدِها لم يَضُرَّ، نحوُ: (أَعِنْدَكَ تَقُولُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا) ، و (أفي الدارِ تقولُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا) ، و (أعمرًا تقولُ مُنْطَلِقًا) ومنه قوله:

135 -أَجُهَّالًا تَقُولُ بَنِي لُؤَيٍّ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ أَمْ مُتَجَاهِلِينَا [1]

(1) هذا البيتُ لِلْكُمَيْتِ بنِ زَيْدٍ الأَسدِيِّ.

اللغةُ: (أَجُهَّالًا) الجُهَّالُ: جَمْعُ جَاهِلٍ، ويُرْوَى في مكانِه: (أَنُوَّامًا) ، وهو جمعُ نائمٍ، (بَنُو لُؤَيٍّ) أرادَ بهم جمهورَ قُرَيْشٍ وعامَّتَهُم؛ لأنَّ أَكْثَرَهُم يَنْتَهِي نَسَبُه إلى لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ، وهو أبو قُرَيْشٍ كُلِّها، (مُتَجَاهِلِينَا) المُتَجَاهِلُ: الذي يَتَصَنَّعُ الجهلَ ويَتَكَلَّفُه وليسَ به جهلٌ، والذين رَوَوْا في صدرِ البيتِ: (أَنُوَّامًا) يَرْوُونَ هنا: (مُتَنَاوِمِينَا) ، والمتناوِمُ: الذي يَتَصَنَّعُ النومَ، والمرادُ: تَصَنُّعُ الغفلةِ عمَّا يَجْرِي حولَهم مِن الأحداثِ.

المعنى: أَتَظُنُّ قريشًا جاهلينَ حينَ اسْتَعْمَلُوا في وِلاياتِهِم اليَمَنِيِّينَ وآثَرُوهُم على المُضَرِيِّينَ، أم تَظُنُّهُم عالِمِينَ بحقيقةِ الأمرِ مُقَدِّرِينَ سُوءَ النتائجِ غيرَ غافلينَ عمَّا يَنْبَغِي العملُ به، ولكنَّهم يَتَصَنَّعُونَ الجهلَ ويَتَكَلَّفُونَ الغفلةَ لِمَآرِبَ لهم في أنفسِهِم؟

الإعرابُ: (أَجُهَّالًا) الهمزةُ للاستفهامِ، جُهَّالًا: مفعولٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ على عاملِهِ وعلى المفعولِ الأوَّلِ، (تَقُولُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (بَنِي) مفعولٌ أوَّلُ لِتَقُولُ، وبني مُضَافٌ و (لُؤَيٍّ) مضافٌ إليه، (لَعَمْرُ) اللامُ لامُ الابتداءِ، عَمْرُ: مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ وُجُوبًا، وعَمْرُ مضافٌ وأبي مِن (أَبِيكَ) مضافٌ إليه، وأبي مضافٌ والكافُ ضميرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (أَمْ) عاطفةٌ، (مُتَجَاهِلِينَا) معطوفٌ على قولِهِ: (جُهَّالًا) .

الشاهِدُ فيه: قولُه: (أَجُهَّالًا تقولُ بَنِي لُؤَيٍّ) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (تقولُ) عَمَلَ (تَظُنُّ) ، فنَصَبَ به مفعوليْنِ: أَحَدُهما: قولُه (جُهَّالًا) ، والثاني: قولُه: (بَنِي لُؤَيٍّ) ، معَ أنه فَصَلَ بينَ أداةِ الاستفهامِ - وهي الهمزةُ - والفعلِ بفاصلٍ، وهو قولُه: (جُهَّالًا) ، وهذا الفصلُ لا يَمْنَعُ الإعمالَ؛ لأنَّ الفاصِلَ معمولٌ للفعلِ؛ إذ هو مفعولٌ ثانٍ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت