فهرس الكتاب
فبني لُؤَيٍّ مفعولٌ أوَّلُ، وجُهَّالًا مفعولٌ ثانٍ.
وإذا اجْتَمَعَتِ الشروطُ المذكورةُ جازَ نصبُ المبتدأِ والخبرِ مفعوليْنِ لِتَقُولُ؛ نحوُ: (أَتَقُولُ زيدًا مُنْطَلِقًا) ، وجازَ رَفْعُهُما على الحِكايةِ، نحوُ: (أتقولُ: زيدٌ منطلِقٌ) .
وأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا ... عِنْدَ سُلَيْمٍ، نَحْوُ: (قُلْ ذَا مُشْفِقَا) [1]
أشارَ إلى المَذْهَبِ الثاني للعربِ في القولِ، وهو مَذْهَبُ سُلَيْمٍ، فيُجْرُونَ القولَ مُجْرَى الظنِّ في نَصْبِ المفعوليْنِ مُطلقًا؛ أي: سَوَاءٌ كانَ مُضَارِعًا أم غيرَ مضارِعٍ، وُجِدَتْ فيه الشروطُ المذكورةُ أم لم تُوجَدْ، وذلكَ نحوُ: (قُلْ ذا مُشْفِقًا) ، فـ (ذا) مفعولٌ أوَّلُ، و (مُشْفِقًا) مفعولٌ ثانٍ، ومِن ذلك قولُه:
136 -قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلًا فَطِينَا ... هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا [2]
(1) (أُجْرِيَ) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، (القَوْلُ) نائبُ فاعلٍ لأُجْرِيَ، (كَظَنٍّ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن القولِ، (مُطْلَقَا) حالٌ ثانٍ من القولُ، (عِنْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بأُجْرِيَ، َوعندَ مضافٌ و (سُلَيْمٍ) مضافٌ إليه، (نَحْوُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، (قُلْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (ذَا) مفعولٌ أوَّلُ لِقُلْ، (مُشْفِقَا) مفعولٌ ثانٍ.
(2) البيتُ لأَعْرَابِيٍّ صَادَ ضَبًّا فأَتَى به أَهْلَه، فقَالَتْ له امرأتُه: (هذا لَعَمْرُ اللهِ إسرائيلُ) ؛ أي: هو ما مُسِخَ مِن بني إسرائيلَ، ورَوَاهُ الجَوَالِيقِيُّ في كتابِه (المُعَرَّبِ) هكذا:
وقالَ أهلُ السُّوقِ لَمَّا جِينَا ... هذا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا
اللغةُ: (فَطِينَا) وَصْفٌ مِن الفِطْنَةِ، وتقولُ: فَطِنَ الرجلُ يَفْطَنُ ـ بوِزَانِ عَلِمَ يَعْلَمُ ـ فِطْنَةً ـ بكسرٍ فسكونٍ ـ وفَطَانَةً وفَطَانِيَةً ـ بفتحِ الفاءِ فيهما ـ وتقولُ أيضًًا: فَطَنَ يَفْطُنُ بوَزْنِ قَعَدَ يَقْعُدُ، والفِطْنَةُ: الفَهْمُ، والوصفُ المشهورُ من هذه المادَّةِ فَطِنٌ، بفتحٍ فكسرٍ، (جِينَا) أصلُه جِئْنَا ـ بالهمزةِ ـ فلَيَّنَهُ بقلبِ الهمزةِ الساكنةِ حرفَ مَدٍّ مِن جِنْسِ حَرَكَةِ ما قَبْلَها، (إِسْرَائِينَ) لغةٌ في إسرائيلَ، كما قالُوا: جِبْرِينَ، وإِسْمَاعِينُ، يُرِيدُونَ: جِبْرِيلُ وإِسْمَاعِيلُ.
الإعرابُ: (قالَتْ) : قالَ: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي، (وَكُنْتُ) الواوُ واوُ الحالِ، كانَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسْمُه، (رَجُلًا) خبرُ كانَ، (فَطِينَا) صفةٌ لرَجُلٍ، والجملةُ مِن كانَ واسمِها وخبرِها في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، (هَذَا) ها: حرفُ تنبيهٍ، واسمُ الإشارةِ مفعولٌ أوَّلُ لقَالَتْ، بمعنى ظَنَّتْ، (لَعَمْرُ) اللامُ لامُ الابتداءِ، عَمْرُ: مبتدأٌ، وخَبَرُه محذوفٌ وُجُوبًا، والتقديرُ: لَعَمْرُ اللهِ يَمِينِي، وعَمْرُ مضافٌ و (اللهِ) مضافٌ إليه، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ مُعْتَرِضَةٌ بينَ المفعولِ الأوَّلِ والمفعولِ الثاني، (إِسْرَائِينَا) مفعولٌ ثانٍ لقالَتْ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (قَالَتْ .. هَذَا .. إِسْرَائِينَا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (قالَ) عَمَلَ (ظَنَّ) ، والدليلُ على ذلك أنه نَصَبَ به مفعوليْنِ: أَحَدُهما: اسمُ الإشارةِ، وهو (ذا) مِن (هذا) ، والثاني: (إِسرائِينَا) ، هكذا قالُوا، والذي حَمَلَهم على هذا أنهم وَجَدُوا (إسرائِينَا) منصوبًا.
وأنتَ لو تَأَمَّلْتَ بعضَ التأمُّلِ لوَجَدْتَ أنه يُمْكِنُ أنْ يكونَ (هذا) مبتدأً، و (إِسْرَائِينَا) مضافٌ إلى محذوفٍ يَقَعُ خَبَرًا، وتقديرُ الكلامِ: (هذا مَمْسُوخُ إِسْرَائِينَا) ، فحَذَفَ المضافَ وأبقَى المضافَ إليه على جرِّه بالفتحةِ نيابةً عن الكسرةِ؛ لأنَّه لا يَنْصَرِفُ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ.
وحَذْفُ المضافِ وإبقاءُ المضافِ إليه على جَرِّهِ جائزٌ، وإنْ كانَ قليلًا في مِثْلِ ذلك، وقد قُرِئَ في قَوْلِهِ تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ) بجرِّ الآخرةِ على تقديرِ مضافٍ محذوفٍ، يَقَعُ منصوبًا مفعولًا به لِيُرِيدُ، والأصلُ: واللهُ يُرِيدُ ثوابَ الآخِرَةِ.
وهكذا خَرَّجَهُ ابنُ عُصْفُورٍ، وتَخْرِيجُ الجماعةِ أَوْلَى؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الحذفِ، ولأن حَذْفَ المضافِ وبقاءَ المضافِ إليه على حالِهِ قليلٌ في هذه الحالةِ، ولأن نصبَ المفعوليْنِ بالقولِ مطلقًا لُغَةٌ لبعضِ العربِ؛ كما قَرَّرَهُ الناظِمُ والشارِحُ، فلا مانعَ من أنْ يكونَ قائلُ هذا البيتِ واحدًا مِمَّن هذه لُغَتُهم.
بَقِيَ شيءٌ، وهو أنَّ الظاهرَ من الحالِ أنَّ المعنَى المقصودَ من هذا البيتِ ليسَ على تَضْمِينِ القولِ معنى الظنِّ، ولكنَّه على الحِكَايَةِ، وذلك يَقْتَضِي أنْ يكونَ ما بعدَ القولِ جملةً مُؤَلَّفَةً مِن مبتدأٍ وخبرٍ، فيكونُ اسمُ الإشارةِ مبتدأً، وقولُه: (إِسْرَائِينَا) مضافًا إلى الخبرِ المحذوفِ، وقد أُبْقِيَ على حالِهِ التي كانَ عليها قبل حَذْفِ المضافِ، وأصلُه: هذا مَمْسُوخُ بني إِسْرَائِينَ؛ وذلك لأنَّ الرجلَ كانَ في يَدِهِ ضَبٌّ، فلَمَّا رَأَتْهُ امْرَأَتُهُ، أَوْ لَمَّا رَآهُ أهلُ السُّوقِ نَطَقُوا بهذه العبارةِ، وليسَ المرادُ أنهم ظَنُّوا ذلك، فهذا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ تخريجِ ابنِ عُصْفُورٍ، وإنْ كانَ الوجهُ الصناعيُّ الذي خَرَجَ عليه ضَعيفًا.