الصفحة 302 من 811

أَعْلَمَ وأَرَى

إلى ثلاثةٍ رَأَى وعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا [1]

أَشَارَ بهذا الفَصْلِ إلى ما يَتَعَدَّى من الأفعالِ إلى ثلاثةِ مفاعيلَ، فذَكَرَ سبعةَ أفعالٍ: مِنها (أَعْلَمَ وأَرَى) ، فذَكَرَ أنَّ أَصْلَهُما (عَلِمَ ورَأَى) ، وأنهما بالهمزةِ يَتَعَدَّيَانِ إلى ثلاثةِ مفاعيلَ؛ لأنَّهما قبلَ دُخُولِ الهمزةِ عليهما كانا يَتَعَدَّيَانِ إلى مفعوليْنِ، نحوُ: (عَلِمَ زيدٌ عَمْرًا منطلِقًا، ورَأَى خالدٌ بَكْرًا أخاكَ) ، فلَمَّا دَخَلَتْ عليهما همزةُ النقلِ زَادَتْهُما مفعولًا ثالثًا، وهو الذي كانَ فاعلًا قبلَ دُخُولِ الهمزةِ، وذلك نحوُ: (أَعْلَمْتُ زيدًا عمرًا مُنْطَلِقًا) ، و (أَرَيْتُ خَالِدًا بَكْرًا أَخَاكَ) ، فزيدًا وخالدًا مفعولٌ أوَّلُ، وهو الذي كانَ فاعلًا حينَ قُلْتَ: (عَلِمَ زيدٌ ورَأَى خالدٌ) .

وهذا هو شأنُ الهمزةِ، وهو أنها تُصَيِّرُ ما كانَ فاعلًا مفعولًا، فإنْ كانَ الفعلُ قبلَ دُخُولِها لازمًا صارَ بعدَ دُخُولِها مُتَعَدِّيًا إلى واحدٍ، نحوُ: (خَرَجَ زيدٌ وأَخْرَجْتُ زيدًا) ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى واحدٍ صارَ بعدَ دُخُولِها متعدِّيًا إلى اثنيْنِ، نحوُ: (لَبِسَ زَيْدٌ جُبَّةً) ، فتقولُ: (أَلْبَسْتُ زَيْدًا جُبَّةً) ، وسيأتي الكلامُ عليه، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى اثنيْنِ صارَ متعدِّيًا إلى ثلاثةٍ؛ كما تَقَدَّمَ في (أَعْلَمَ وأَرَى) .

وما لِمَفْعُولَي عَلِمْتُ مُطْلَقَا ... للثانِ والثالِثِ أَيْضًا حُقِّقَا [2]

أي: يَثْبُتُ للمفعولِ الثاني والمفعولِ الثالِثِ من مفاعيلِ (أَعْلَمَ وأَرَى) ما ثَبَتَ لمفعولَي (عَلِمَ ورَأَى) من كَوْنِهِما مُبتدأً وخبرًا في الأصلِ، ومِن جَوَازِ الإلغاءِ والتعليقِ بالنسبةِ إليهما، ومِن جَوَازِ حَذْفِهِما أو حَذْفِ أَحَدِهما إذا دَلَّ على ذلك دَلِيلٌ.

ومثالُ ذلكَ: (أَعْلَمْتُ زيدًا عَمْرًا قَائِمًا) ، فالثاني والثالثُ من هذه المفاعيلِ أَصْلُهما المبتدأُ والخبرُ، وهما (عمرٌو قائِمٌ) ، ويَجُوزُ إلغاءُ العامِلِ بالنسبةِ إليهما، نحوُ: (عَمْرٌو أَعْلَمْتُ زيدًا قائِمٌ) ، ومنه قولُهم: (البركةُ أَعْلَمَنَا اللهُ معَ الأكابِرِ) ، فـ (نا) مفعولٌ أوَّلُ، و (البركةُ) مبتدأٌ، و (معَ الأكابرِ) ظرفٌ في موضعِ الخبرِ، وهما اللذانِ كانا مفعوليْنِ، والأصلُ: (أَعْلَمَنَا اللهُ البَرَكَةَ معَ الأكابِرِ) .

ويَجُوزُ التعليقُ عنهما، فتقولُ: (أَعْلَمْتُ زيدًا لَعَمْرٌو قائِمٌ) .

ومثالُ حَذْفِهِما للدَّلالةِ، أنْ يُقَالَ: هل أَعْلَمْتَ أحدًا عَمرًا قائمًا؟ فتقولَ: أَعْلَمْتُ زيدًا.

ومثالُ حذفِ أَحَدِهما للدَّلالةِ، أنْ تقولَ في هذه الصورةِ: (أَعْلَمْتُ زيدًا عَمْرًا) ؛ أي: قائمًا، أو (أَعْلَمْتُ زيدًا قائمًا) ؛ أي: عمرًا قائمًا.

(1) (إلى ثَلاثَةٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بعَدَّوْا، (رَأَى) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ لِعَدَّوْا، (وَعَلِمَا) معطوفٌ على رَأَى، (عَدَّوْا) فِعْلٌ وفاعلٌ، (إذا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (صَارَا) صارَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، وألفُ الاثنيْنِ اسمُه، (أَرَى) قُصِدَ لَفْظُهُ: خبرُ صارَ، (وَأَعْلَمَا) معطوفٌ على أَرَى، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وهي فعلُ الشرطِ، والجوابُ محذوفٌ، يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ، والأصلُ: إذا صَارَا أَرَى وأَعْلَمَا فقد عَدَّوْهُمَا إلى ثلاثةِ مفاعيلَ.

(2) (وما) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (لِمَفْعُولَي) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ ما، ومفعولَيْ مضافٌ و (عَلِمْتُ) قُصِدَ لَفْظُهُ: مضافٌ إليه، (مُطْلَقَا) حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في الصِّلَةِ، (للثانِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِحُقِّقَ الآتِي، (والثالِثِ) معطوفٌ على الثاني، (أيضًًا) مفعولٌ مُطْلَقٌ لفِعْلٍ محذوفٍ، (حُقِّقَا) حُقِّقَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ما الموصولةِ والواقعةِ مبتدأً، والجملةُ مِن حُقِّقَ ونائبِ فاعلِهِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت