فهرس الكتاب
وإنْ تَعَدَّيَا لِوَاحِدٍ بِلاَ ... هَمْزٍ فِلاثْنَيْنِ بِهِ تَوَصَّلاَ [1]
والثانِ مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَي كَسَا ... فَهْوَ بِهِ فِي كُلِّ حُكْمٍ ذُو ائْتِسَا [2]
تَقَدَّمَ أنَّ (رَأَى وعَلِمَ) إذا دَخَلَتْ عليهما همزةُ النقلِ تَعَدَّيَا إلى ثلاثةِ مَفَاعِيلَ، وأشارَ في هذيْن البيتيْنِ إلى أنه إنما يَثْبُتُ لهما هذا الحُكْمُ إذا كانا قبلَ الهمزةِ يَتَعَدَّيَانِ إلى مفعوليْنِ، وأمَّا إذا كانا قبلَ الهمزةِ يَتَعَدَّيَانِ إلى واحدٍ؛ كما إذا كانَتْ (رَأَى) بمعنى أَبْصَرَ، نحوُ: (رَأَى زيدٌ عَمْرًا) ، و (عَلِمَ) بمعنى عَرَفَ، نحوُ: (عَلِمَ زيدٌ الحَقَّ) - فإنَّهما يَتَعَدَّيَانِ بعدَ الهمزةِ إلى مفعوليْنِ، نحوُ: (أَرَيْتُ زَيْدًا عمرًا) ، و (أَعْلَمْتُ زيدًا الحَقَّ) .
والثاني مِن هذيْنِ المفعوليْنِ كالمفعولِ الثاني مِن مفعولَي (كَسَا) و (أَعْطَى) ، نحوُ: (كَسَوْتُ زَيْدًا جُبَّةً) ، و (أَعْطَيْتُ زيدًا دِرْهَمًا) في كونِه لا يَصِحُّ الإخبارُ به عن الأوَّلِ، فلا تقولُ: زيدٌ الحقُّ، كما لا تقولُ: (زيدٌ دِرْهَمٌ) ، وفي كونِه يَجُوزُ حَذْفُه معَ الأوَّلِ، وحذفُ الثاني وإبقاءُ الأوَّلِ، وحذفُ الأوَّلِ وإبقاءُ الثاني، وإنْ لم يَدُلَّ على ذلك دَلِيلٌ، فمثالُ حَذْفِهِما: (أَعْلَمْتُ وأَعْطَيْتُ) ، ومنه قولُه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} .
ومثالُ حذفِ الثاني وإبقاءِ الأوَّلِ: (أَعْلَمْتُ زيدًا وأَعْطَيْتُ زيدًا) ، ومنه قولُه تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} .
ومثالُ حَذْفِ الأوَّلِ وإبقاءِ الثاني نحوُ: (أَعْلَمْتُ الحَقَّ وأَعْطَيْتُ دِرْهَمًا) ، ومنه قولُه تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وهذا معنى قولِه: (والثاني مِنْهُمَا ... ) إلى آخرِ البيتِ [3] .
(1) و (إنْ) شرطيَّةٌ، (تَعَدَّيَا) فِعْلٌ ماضٍ فعلُ الشرطِ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلٌ، (لِوَاحِدٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: تَعَدَّيَا، (بلا هَمْزٍ) الباءُ حرفُ جَرٍّ، ولا: اسمٌ بمعنى غير مجرورٌ مَحَلاًّ بالباءِ، وقد ظَهَرَ إعرابُه على ما بعدَه على طريقِ العارِيَّةِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَدَّيَا أيضًا، ولا مضافٌ و (هَمْزٍ) مضافٌ إليه، (فلاثنيْنِ) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشرطِ، لاثْنَيْنِ: جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (تَوَصَّلاَ) الآتي، (به) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَوَصَّلاَ أيضًًا، (تَوَصَّلاَ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والألِفُ مُبْدَلَةٌ مِن نونِ التوكيدِ الخفيفةِ، ويجوزُ أنْ يكونَ تَوَصَّلاَ فعلًا ماضيًا مَبْنِيًّا للمعلومِ، والألفُ ضميرُ الاثنيْنِ عائدٌ إلى رَأَى وعَلِمَ، وهو فاعلُ تَوَصَّلَ.
(2) (والثانِ) مبتدأٌ، (مِنهما) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ صَاحِبُه الضميرُ المُسْتَكِنُّ في الخبرِ الآتي، (كَثانِي) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ، وثاني مضافٌ و (اثْنَي) مضافٌ إليه، واثْنَي مضافٌ و (كَسَا) قُصِدَ لَفْظُهُ: مضافٌ إليه، (فَهْوَ) مبتدأٌ، (به) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِائْتِسَا الآتي، (في كلِّ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بائْتِسَا أيضًًا، وكلِّ مضافٌ و (حُكْمٍ) مضافٌ إليه، (ذو) خبرُ المبتدأِ، وذو مضافٌ و (ائْتِسَا) مضافٌ إليه، وأصلُه ممدودٌ فقَصَرَهُ للضرورةِ، والائْتِسَاءُ: أصلُه بمعنى الاقتداءِ، والمرادُ به هنا أنه مِثْلُه في كلِّ حُكْمٍ.
(3) عبارةُ الناظِمِ ـ وهي قولُه: (فَهْوَ بِهِ فِي كُلِّ حُكْمٍ ذُو ائْتِسَا) عامَّةٌ، ولم يَتَعَرَّضِ الشارِحُ رَحِمَه اللهُ في كلامِه إلى نَقْدِ هذا العمومِ كعادتِه، فهذا العمومُ يُعْطِي أنَّ رَأَى البَصَرِيَّةَ وعَلِمَ العِرْفَانِيَّةَ، إذا اتَّصَلَتْ بهما همزةُ النقلِ فصارا يَتَعَدَّيَانِ إلى مفعوليْنِ، فشَأْنُ مفعولِهِما الثاني كشأنِ المفعولِ الثاني من مفعولَي كَسَا، ومِن شأنِ المفعولِ الثاني من مفعولَيْ كَسَا أنه لا يُعَلَّقُ عنه العامِلُ، ولكنَّ المفعولَ الثانِيَ من مفعولَيْ رَأَى البصريَّةِ وعَلِمَ العِرْفَانِيَّةِ يُعَلَّقُ عنه العامِلُ، ومِن التعليقِ عنه قولُه تعالى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ، فأَرِنِي هنا بَصَرِيَّةٌ؛ لأنَّ إبراهيمَ عليه السلامُ كانَ يَطْلُبُ مشاهدةَ كَيْفِيَّةِ إحياءِ اللهِ تعالى الموتى، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ياءُ المتكلِّمِ، ومفعولُها الثاني جملةُ: {كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ، وقد عُلِّقَ العاملُ عنها باسمِ الاستفهامِ، ومِن التعليقِ أيضًًا قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} .