فهرس الكتاب
و (أَخْبَرَ) كقولِكَ: (أَخْبَرْتُ زَيْدًا أَخَاكَ مُنْطَلِقًا) و، منه قولُه:
138 -وما عليكِ إذَا أُخْبِرْتِنِي دَنِفًا ... وغابَ بَعْلُكِ يَوْمًا أَنْ تَعُودِينِي [1]
و (حَدَّثَ) ؛ كقولِكَ: (حَدَّثْتُ زَيْدًا بَكْرًا مُقِيمًا) ، ومنه قولُه:
139 -أو مَنَعْتُمْ مَا تُسْأَلُونَ فَمَنْ حُدِّ ثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنَا الوَلاَءُ [2]
(1) هذا البيتُ لرجلٍ مِن بني كِلابٍ، وهو مِن مُخْتَارِ أبي تَمَّامٍ في دِيوَانِ الحَمَاسَةِ، ولكنَّ روايةَ الحماسةِ هكذا:
وما عَلَيْكِ إِذَا خُبِّرْتِنِي دَنِفًا ... رَهْنَ المَنِيَّةِ يَوْمًا أَنْ تَعُودِينَا
أَوْ تَجْعَلِي نُطْفَةً فِي الْقَعْبِ بَارِدَةً ... وَتَغْمِسِي فَاكِ فِيَها ثُمَّ تَسْقِينَا
(وانْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ على الحماسةِ 3/ 353 بتحقيقِنا) .
اللغةُ: (دَنِفًا) بزِنَةِ كَتِفٍ: هو الذي لاَزَمَه مرضُ العِشْقِ، وهو وَصْفٌ مِن الدَّنَفِ ـ بفتحِ الدالِ والنونِ جَميعًا ـ وأصلُه المرضُ الملازِمُ الذي يُنْهِكُ القُوَى، (وغابَ بَعْلُكِ) بَعْلُ المرأةِ: زَوْجُها، وقد رَأَيْتَ أنَّ روايةَ الحماسةِ في مكانِ هذه العبارةِ: (رَهْنَ المَنِيَّةِ) ، والمَنِيَّةُ: الموتُ، وفلانٌ رَهْنُ كذا؛ أي: مُقَيَّدٌ به، يريدُ أنه في حالٍ مِن المرضِ الشديدِ تَجْعَلُه في سِيَاقِ الموتِ، وقولُه: (أنْ تَعُودِينِي) العِيَادَةُ: زِيَارَةُ المريضِ خاصَّةً، ولا تقالُ في زيارةِ غيرِه.
الإعرابُ: (وما) اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، (عليكِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ، (إذا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (أُخْبِرْتِنِي) أُخْبِرَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والتاءُ نائبُ فاعلٍ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ ثانٍ لأُخْبِرَ، (دَنِفًا) مفعولٌ ثالثٌ، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِه ومفعولاتِه الثلاثةِ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، (وغابَ بَعْلُكِ) الواوُ واوُ الحالِ، وما بعدَه جملةٌ مِن فِعْلٍ وفاعلٍ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، وهي ـ عندَ أبي العبَّاسِ المُبَرِّدِ ـ على تقديرِ (قدْ) ؛ أي: وقد غابَ بَعْلُكِ، ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ للعطفِ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بالعطفِ على جملةِ (أُخْبِرْتِنِي دَنِفًا) المجرورةِ مَحَلاًّ بإضافةِ إذا إليها، وجوابُ إذا الشرطيَّةِ محذوفٌ، والتقديرُ: إذا أُخْبِرْتِنِي دَنِفًا فما عليكِ (أَنْ تَعُودِينِي) في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بفي محذوفةٍ، والتقديرُ: في عِيَادَتِي، وحذفُ حرفِ الجرِّ ههنا قِيَاسٌ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بالاستقرارِ الذي تَعَلَّقَ به الجارُّ والمجرورُ الواقِعُ خَبَرًا.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (أُخْبِرْتِنِي دَنِفًا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (أُخْبِرَ) في ثلاثةِ مفاعيلَ: أَحَدُها: نائبُ الفاعلِ، وهو تاءُ المخاطَبَةِ، والثاني: ياءُ المتكلِّمِ، والثالثُ: قولُه: (دَنِفًا) .
(2) البيتُ للحارِثِ بنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ، مِن مُعَلَّقَتِه المشهورةِ التي مَطْلَعُها:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
اللغةُ: (مَنَعْتُمْ ما تُسْأَلُونَ) معناه: إنْ مَنَعْتُمْ عنَّا ما نَسْأَلُكُم أنْ تُعْطُوه مِن النَّصَفَةِ والإخاءِ والمساواةِ، فلأيِّ شيءٍ كانَ ذلك مِنكم معَ ما تَعْلَمُونَ مِن عِزِّنَا ومَنَعَتِنَا؟ (فمَن حُدِّثْتُمُوهُ له علينا الوَلاَءُ) يقولُ: مَن الذي بَلَغَكُم عنه أنه قد صارَتْ له علينا الغَلَبَةُ في سالِفِ الدهرِ، وأنتم تُمَنُّونَ أنفسَكم بأنْ تكونُوا مثلَه؟ والاستفهامُ بمعنى النفيِ، يريدُ: لم يَكُنْ لأحدٍ سُلْطَانٌ في الزمنِ الغابِرِ علينا، ويُرْوَى: (له علينا العَلاءُ) بالعينِ المهملةِ، من العُلُوِّ، وهو الرفعةُ، ويُرْوَى: (الغَلاءُ) بالغينِ المعجمةِ، وهو الارتفاعُ أيضًًا.
الإعرابُ: (مَنَعْتُمْ) فعلٌ وفاعلٌ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ به لِمَنَعَ، (تُسْأَلُونَ) جملةٌ مِن فعلٍ ونائبِ فاعلٍ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: تُسْأَلُونَهُ، (فَمَن) اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، (حُدِّثْتُمُوهُ) حُدِّثَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، وتاءُ المخاطَبِينَ نائبُ فاعلٍ، وهاءُ الغائبِ مفعولٌ ثانٍ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (له علينا) يَتَعَلَّقَانِ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (الولاءُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والجملةُ مِن هذا المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثالثٌ لِحُدِّثَ.
الشاهِدُ: قولُه: (حُدِّثْتُمُوهُ ... له علينا الولاءُ) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (حَدَّثَ) في ثلاثةِ مَفَاعِيلَ: أَحَدُها: نائبُ الفاعلِ، وهو ضميرُ المخاطَبينَ، والثاني: هاءُ الغائِبِ، والثالِثُ: جملةُ (له علينا الوَلاءُ) كما أَوْضَحْنَاهُ في الإعرابِ.