فهرس الكتاب
وبعدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وإلاَّ فضَمِيرٌ اسْتَتَرْ [1]
حُكْمُ الفاعلِ التأخُّرُ عن رافعِه، وهو الفعلُ أو شِبْهُه، نحوُ: (قامَ الزيدانِ، وزيدٌ قائِمٌ غلاماه، وقامَ زيدٌ) ، ولا يَجُوزُ تقديمُه على رافعِه، فلا تقولُ: (الزيدانِ قامَ) ، ولا (زيدٌ غلاماه قائِمٌ) ، ولا (زيدٌ قامَ) على أنْ يكونَ (زيدٌ) فاعلًا مقدَّمًا، بل على أنْ يكونَ مبتدأً والفعلُ بعدَه رافعٌ لضميرٍ مستترٍ، والتقديرُ (زيدٌ قامَ هو) ، وهذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمَّا الكُوفِيُّونَ فأَجَازُوا التقديمَ في ذلك كُلِّه [2] .
(1) (وبعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، وبعدَ مضافٌ و (فِعْلٍ) مضافٌ إليه، (فاعِلٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (فإنْ) شرطيَّةٌ، (ظَهَرْ) فعلٌ ماضٍ، فعلُ الشرطِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى فاعلٌ، (فَهْوَ) الفاءُ لربطِ الجوابِ بالشرطِ، هو: مبتدأٌ، وخَبَرُه محذوفٌ، والتقديرُ: (فإنْ ظَهَرَ فهو المطلوبُ) مثلًا، والجملةُ في مَحَلِّ جزمٍ جوابُ الشرطِ، (وإلاَّ) الواوُ عاطفةٌ، إنْ: شرطيَّةٌ، لا: نافيةٌ، وفعلُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبلَه، والتقديرُ: وإلاَّ يَظْهَرُ، (فضميرٌ) الفاءُ لربطِ الجوابِ بالشرطِ، ضميرٌ: خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: فهو ضميرٌ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في مَحَلِّ جزمٍ جوابُ الشرطِ، وجملةُ (اسْتَتَرْ) معَ فاعلِه المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ صفةٌ لضميرٌ.
وهذا البيتُ يُشِيرُ إلى حُكْمَيْنِ مِن أحكامِ الفاعلِ:
أَوَّلُهُما: أنَّ الفاعلَ يَجِبُ أنْ يكونَ بعدَ الفعلِ، فلا يَجُوزُ عندَه تقديمُ الفاعلِ، وفي هذا الحُكْمِ خَالَفَ الكُوفِيُّونَ، وهذا هو الذي ذَكَرَه الشارِحُ بقولِه: (حُكْمُ الفاعلِ التأخُّرُ عن رافعِه ... إلخ) .
وثاني الحكميْنِ: أنه لا يجوزُ حذفُ الفاعلِ، بل إما أنْ يكونَ ملفوظًا به، وإما أنْ يكونَ ضميرًا مُسْتَتِرًا، وهذا هو الذي ذَكَرَه الشارِحُ بقولِه: (وأشارَ بقولِه: فإنْ ظَهَرْ ... إلخ، إلى أنَّ الفعلَ وشِبْهَه لا بُدَّ له مِن مَرْفُوعٍ) وليسَ هذا الحُكْمُ مُطَّرِدًا، بل له استثناءٌ سَنَذْكُرُه فيما بعدُ، (اقْرَأِ الهامِشَةَ 1 ص 78) .
(2) اسْتَدَلَّ الكُوفِيُّونَ على جوازِ تقديمِ الفاعلِ على رافعِه، بوُرُودِهِ عن العربِ في نحوِ قولِ الزَّبَّاءِ:
ما لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا
في روايةِ مَن رَوَى: (مَشْيُهَا) مرفوعًا، قالُوا: ما: اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، ولِلْجِمَالِ: جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ، مَشْيُ: فاعلٌ تَقَدَّمَ على عاملِه ـ وهو وَئِيدَا الآتي ـ ومَشْيُ مضافٌ، والضميرُ العائدُ إلى الجِمَالِ مضافٌ إليه، ووَئِيدَا: حالٌ مِن الجِمَالِ منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وتقديرُ الكلامِ: أيُّ شيءٍ ثابِتٌ للجِمَالِ حالَ كَوْنِها وَئِيدًا مَشْيُهًا.
واسْتَدَلَّ البَصْرِيُّونَ على أنه لا يجوزُ تقديمُ الفاعلِ على فِعْلِهِ بوجهيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ الفِعْلَ وفاعلَه كجُزْأَيْنِ لِكَلِمَةٍ واحدةٍ مُتَقَدِّمٌ أحَدُهما على الآخَرِ وَضْعًا، فكما لا يجوزُ تقديمُ عَجُزِ الكَلِمَةِ على صَدْرِها لا يَجُوزُ تقديمُ الفاعلِ على فِعْلِه، وثانيهما: أنَّ تقديمَ الفاعلِ يُوقِعُ في اللَّبْسِ بينَه وبينَ المبتدأِ؛ وذلك أنَّكَ إذا قُلْتَ: (زَيْدٌ قامَ) ، وكانَ تقديمُ الفاعلِ جائزًا ـ لم يَدْرِ السامعُ أَأَرَدْتَ الابتداءَ بزيدٍ والإخبارَ عنه بجملةِ قامَ وفاعلِه المُسْتَتِرِ، أم أَرَدْتَ إسنادَ قامَ المذكورَ إلى زيدٍ المذكورِ على أنه فاعلٌ، وقامَ حينَئذٍ خالٍ من الضميرِ؟
ولا شكَّ أنَّ بينَ الحالتيْنِ فَرْقًا؛ فإنَّ جملةَ الفعلِ وفاعلِه تَدُلُّ على حُدُوثِ القِيَامِ بعدَ أنْ لم يَكُنْ، وجملةَ المبتدأِ وخبرِه الفعليِّ تَدُلُّ على الثُّبُوتِ وعلى تأكيدِ إسنادِ القيامِ لِزَيْدٍ، ولا يجوزُ إغفالُ هذا الفرقِ بادِّعاءِ أنه ممَّا لا يَتَعَلَّقُ به المقصودُ مِن إفادةِ إسنادِ القيامِ لِزَيْدٍ على جِهَةِ وُقُوعِهِ منه، وأنه ممَّا يَتَعَلَّقُ به غَرَضُ أهلِ البلاغةِ الذين يَبْحَثُونَ عن معانٍ للتراكيبِ غيرِ المعاني الأوَّلِيَّةِ التي تَدُلُّ عليها الألفاظُ، معَ قَطْعِ النظرِ عن التقديمِ والتأخيرِ ونَحْوِها.
وأَجَابُوا عمَّا اسْتَدَلَّ به الكُوفِيُّونَ بأنَّ البيتَ يَحْتَمِلُ غيرَ ما ذَكَرُوا مِن وُجُوهِ الإعرابِ؛ إذ يَجُوزُ أنْ يكونَ (مَشْيُ) مبتدأً، والضميرُ مضافٌ إليه، و (وَئِيدَا) حالٌ من فاعلِ فِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: مَشْيُها يَظْهَرُ وَئِيدًا، وجملةُ الفعلِ المحذوفِ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، ومتى كانَ البيتُ مُحْتَمِلًا لوجهٍ آخَرَ لم يَصْلُحْ دَلِيلًا.