فهرس الكتاب
وتَظْهَرُ فائدةُ الخلافِ في غيرِ الصورةِ الأخيرةِ، وهي صورةُ الإفرادِ، نحوُ: (زيدٌ قامَ) ، فتقولُ على مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: (الزيدانِ قامَ، والزيدونَ قامَ) ، وعلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ يَجِبُ أنْ تقولَ: (الزيدانِ قاما، والزيدونَ قَامُوا) ، فتأتي بألفٍ وواوٍ في الفِعْلِ ويكونانِ هما الفاعليْنِ، وهذا معنى قولِهِ: (وبعدَ فِعْلٍ فاعِلٌ) .
وأشارَ بقولِهِ: (فإنْ ظَهَرْ ... إلخ) إلى أنَّ الفعلَ وشِبْهَه لا بُدَّ له مِن مرفوعٍ [1] ، فإنْ ظَهَرَ فلا إضمارَ، نحوُ: (قامَ زيدٌ) ، وإنْ لم يَظْهَرْ فهو ضميرٌ، نحوُ: (زيدٌ قامَ) ؛ أي: هو.
وجَرِّدِ الفِعْلَ إذا ما أُسْنِدَا ... لاثنيْنِ أو جَمْعٍ كـ (فازَ الشُّهَدَا) [2]
(1) بعضُ الأفعالِ لا يَحْتَاجُ إلى فاعلٍ، فكانَ على الشارِحِ أنْ يَسْتَثْنِيَه من هذا العُمُومِ، ونحنُ نَذْكُرُ لكَ أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ مِن هذا القَبِيلِ:
الأوَّلُ: الفعلُ المؤكَّدُ في نحوِ قولِ الشاعِرِ:
* أَتَاكَ أَتَاكَ اللاحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ *
الثاني: الفعلُ المبنيُّ للمجهولِ في نحوِ قولِه تعالى: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} ، وفي نحوِ قولِ الشاعِرِ:
كَذَاكَ أُدِّبْتُ حَتَّى صارَ مِن خُلُقِي ... أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشِّيمَةِ الأَدَبُ
الثالِثُ: (كانَ) الزائدةُ، في نحوِ قولِ الشاعِرِ، وقد أَنْشَدْنَاهُ معَ نظائرِه في بابِ كانَ وأَخَوَاتِها عندَ الكلامِ على مواضِعِ زِيَادَتِها.
لِلَّهِ دَرُّ أَنُو شَرْوَانَ مِنْ رَجُلٍ ... ما كانَ أَعْرَفَهُ بِالدُّونِ والسَّفِلِ
بناءً على الراجِحِ عندَ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّ كانَ الزائدةَ لا فاعِلَ لها.
الرابعُ: الفعلُ المكفوفُ بما، نحوُ: قَلَّمَا، وطَالَمَا، وكَثرَمَا، بناءً على ما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ.
ومن العلماءِ مَن يَزْعُمُ أنَّ (ما) في نحوِ: (طَالَمَا نَهَيْتُكَ) مصدريَّةٌ سابِكَةٌ لِمَا بَعْدَها بمصدرٍ هو فاعلُ طالَ، والتقديرُ: طالَ نَهْيِي إيَّاكَ.
(2) (وجَرِّدِ) الواوُ عاطفةٌ، وجَرِّد: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (الفِعْلَ) مفعولٌ به لِجَرِّد، (إذا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (ما) زائدةٌ، (أُسْنِدَا) أُسْنِدَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الفعلَ، والألِفُ للإطلاقِ، والجملةُ من أُسْنِدَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، (لاثْنَيْنِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُسْنِدَ، (أَوْ جَمْعٍ) معطوفٌ على اثْنَيْنِ، (كَفَازَ الشُّهَدَا) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، وجملةُ الفعلِ والفاعلِ في مَحَلِّ نصبٍ بذلك المجرورِ المحذوفِ، وأصلُ الكلامِ: وذلك كائنٌ كَقَوْلِكَ: فازَ الشُّهَدَاءُ.