فهرس الكتاب
وقد يُقالُ سَعِدَا وسَعِدُوا ... والفعلُ للظاهرِ بعدُ مُسْنَدُ [1]
مَذْهَبُ جمهورِ العربِ، أنه إذا أُسْنِدَ الفعلُ إلى ظاهرٍ؛ مُثَنًّى أو مجموعٍ؛ وَجَبَ تَجْرِيدُه مِن علامةٍ تَدُلُّ على التثنيةِ أو الجمعِ، فيكونُ كحالِه إذا أُسْنِدَ إلى مُفْرَدٍ، فتقولُ: (قامَ الزيدانِ، وقامَ الزيدونَ، وقامَتِ الهِنْدَاتُ) ؛ كما تقولُ: (قامَ زَيْدٌ) ، ولا تقولُ على مذهَبِ هؤلاء: (قاما الزيدانِ) ، ولا: (قاموا الزيدونَ) ، ولا: (قُمْنَ الهِنْدَاتُ) ، فتأتي بعلامةٍ في الفعلِ الرافِعِ للظاهِرِ على أنْ يكونَ ما بعدَ الفعلِ مرفوعا به، وما اتَّصَلَ بالفعلِ مِن الألفِ والواوِ والنونِ حُرُوفٌ تَدُلُّ على تثنيةِ الفاعلِ أو جمعِه، بل على أنْ يكونَ الاسمُ الظاهِرُ مبتدأً مُؤَخَّرًا، والفعلُ المتقدِّمُ وما اتَّصَلَ به اسمًا في موضعِ رفعٍ به، والجملةُ في موضعِ رفعٍ خبرًا عن الاسمِ المتأخِّرِ.
ويَحْتَمِلُ وجهًا آخَرَ، وهو أنْ يكونَ ما اتَّصَلَ بالفعلِ مرفوعًا به؛ كما تَقَدَّمَ، وما بعدَه بَدَلٌ مِمَّا اتَّصَلَ بالفعلِ من الأسماءِ المُضْمَرَةِ، أَعْنِي الألفَ والواوَ والنونَ.
ومَذْهَبُ طائفةٍ مِن العربِ، وهم بنو الحارِثِ بنِ كَعْبٍ، كما نَقَلَ الصَّفَّارُ في شرحِ (الكِتابِ) - أنَّ الفعلَ إذا أُسْنِدَ إلى ظاهرٍ مُثَنًّى أو مجموعٍ أُتِيَ فيه بعلامةٍ تَدُلُّ على التثنيةِ أو الجمعِ [2] ، فتقولُ: (قاما الزيدانِ، وقاموا الزيدونَ، وقُمْنَ الهِنداتُ) ، فتكونُ الألِفُ والواوُ والنونُ حروفًا تَدُلُّ على التثنيةِ والجمعِ، كما كانَتِ التاءُ في (قامَتْ هِنْدٌ) حرفًا تَدُلُّ على التأنيثِ عندَ جميعِ العربِ [3] ، والاسمُ الذي بعدَ المذكورِ مرفوعٌ به كما ارْتَفَعَتْ (هِنْدٌ) بـ (قامَتْ) ، ومن ذلك قولُه:
(1) (وقد) حرفُ تَقْلِيلٍ، (يُقَالُ) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (سَعِدَا وسَعِدُوا) قُصِدَ لَفْظُهُما: نائبٌ عن الفاعلِ ومعطوفٌ عليه، (والفِعْلُ) الواوُ للحالِ، والفعلُ: مبتدأٌ، (للظاهِرِ بَعْدُ) مُتَعَلِّقَانِ بمُسْنَدُ الآتي، (مُسْنَدُ) خبرُ المبتدأِ، والجملةُ مِن المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ.
(2) وليسَ الإتيانُ بعلامةِ التثنيةِ إذا كانَ الفاعلُ مُثَنًّى أو بعلامةِ الجمعِ إذا كانَ الفاعلُ مجموعًا واجبًا عند هؤلاءِ، بل إنهم ربما جَاؤُوا بالعلامةِ، وربما تَرَكُوها.
(3) الفرقُ بينَ علامةِ التأنيثِ وعلامةِ التثنيةِ والجمعِ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إِلحاقَ علامةِ التثنيَةِ والجمعِ لغةٌ لجماعةٍ مِن العربِ بأعيانِهِم؛ يقالُ: هُمْ طَيِّئٌ، ويقالُ: هم أَزْدُ شَنُوءَةَ ـ وأما إلحاقُ تاءِ التأنيثِ فلغةُ جميعِ العربِ.
الثاني: أنَّ إلحاقَ علامةِ التثنيةِ والجمعِ عندَ مَن يُلْحِقُها جائزٌ في جميعِ الأحوالِ، ولا يكونُ واجبًا أصلًا، فأمَّا إلحاقُ علامةِ التأنيثِ يكونُ واجبًا إذا كانَ الفاعلُ ضميرًا مُتَّصِلًا لمُؤَنَّثٍ مُطْلَقًا، وإذا كانَ الفاعلُ اسمًا ظاهرًا حقيقيَّ التأنيثِ، على ما سيأتي بيانُه وتفصيلُه في هذا البابِ.
الثالِثُ: أنَّ احتياجَ الفعلِ إلى علامةِ التأنيثِ أَقْوَى مِن احْتِيَاجِهِ إلى علامةِ التثنيَةِ والجمعِ؛ لأنَّ الفاعلَ قد يكونُ مُؤَنَّثًا بدونِ علامةٍ، ويكونُ الاسمُ معَ هذا مُشْتَرَكًا بينَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ؛ كزَيْدٍ وهِنْدٍ، فقد سُمِّيَ بكلٍّ مِن زَيْدٍ وهِنْدٍ مُذَكَّرٌ، وسُمِّيَ بكلٍّ مِنهما مُؤَنَّثٌ، فإذا ذُكِّرَ الفعلُ بدونِ علامةِ التأنيثِ لم يُعْلَمْ أمُؤَنَّثٌ فاعِلُه أم مُذَكَّرٌ، فأمَّا المُثَنَّى والجمعُ فإنَّه لا يُمْكِنُ فيهما احتمالُ المفرَدِ.