الصفحة 314 من 811

142 -تَوَلَّى قِتَالَ الْمَارِقِينَ بِنَفْسِهِ ... وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحِمِيمُ [1]

وقولُه:

143 -يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِيـ ـلِ أَهْلِي فكُلُّهُمُ يَعْذِلُ [2]

(1) البيتُ لِعُبَيْدِ اللهِ بنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ، يَرْثِي مُصْعَبَ بنَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وكانَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ هذا مِن شِيعَةِ الزُّبَيْرِيِّينَ، وكانَ مُصْعَبٌ قد خَرَجَ على الخلافةِ الأُمَوِيَّةِ معَ أخيه عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، وعُبيدُ اللهِ بنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ هو الذي يقولُ:

كَيْفَ نَوْمِي عَلَى الْفِرَاشِ وَلَمَّا ... تَشْمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ

تُذْهِلُ الشيخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ... عن بُرَاهَا العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ

ولَمَّا قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيْرِ قالَ كَلِمَةً يَرْثِيهِ بها، منها بيتُ الشاهدِ، وأَوَّلُ رِثَائِها قولُه:

لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ حُزْنًا وذِلَّةً ... قَتِيلٌ بِدَيْرِ الجَاثليقِ مُقِيمُ

اللغةُ: (المَارِقِينَ) الخارِجِينَ عن الدِّينِ كما يَخْرُجُ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، (مُبْعَدٌ) أرادَ به الأجنبيَّ، (وحَمِيمُ) الصديقُ الذي يَهْتَمُّ لأمرِ صَدِيقِه، (أَسْلَمَاهُ) خَذَلاَهُ ولم يُعِينَاهُ.

الإعرابُ: (تَوَلَّى) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على مُصْعَبٍ، (قتالَ) مفعولٌ به لِتَوَلَّى، وقتالَ مضافٌ و (المارِقِينَ) مضافٌ إليه، (بِنَفْسِهِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَوَلَّى، أو الباءُ زائدةٌ، ونَفْسِ: تأكيدٌ للضميرِ المُسْتَتِرِ في تَوَلَّى، ونفسِ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى مُصْعَبٍ مضافٌ إليه، (وقد) الواوُ للحالِ، قد: حرفُ تحقيقٍ، (أَسْلَمَاهُ) أَسْلَمَ: فِعْلٌ ماضٍ، والألِفُ حرفٌ دالٌّ على التثنيةِ، والهاءُ ضميرُ الغائبِ العائدُ إلى مُصْعَبٍ مفعولٌ به لأَسْلَمَ، (مُبْعَدٌ) فاعلُ أَسْلَمَ، (وحَمِيمُ) الواوُ حرفُ عطفٍ، حميمُ: معطوفٌ على مُبْعَدٌ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (وقد أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وحَمِيمُ) ؛ حيثُ وَصَلَ بالفعلِ ألِفَ التثنيَةِ، معَ أنَّ الفاعلَ اسمٌ ظاهرٌ، وكان القياسُ على الفُصْحَى أنْ يقولَ: (وقد أَسْلَمَه مُبْعَدٌ وحَمِيمُ) ، وسيأتي لهذا الشاهدِ نظائرُ في شرحِ الشاهديْنِ الآتييْنِ رَقْمِ 143، 144.

(2) 143 - هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي لم يُعَيِّنُوا قائِلَهَا، وبعدَه قولُه:

وأهلُ الذي باعَ يَلْحَوْنَهُ ... كما لُحِيَ البائعُ الأوَّلُ

اللغةُ: (يَلُومُونَنِي) تقولُ: لامَ فلانٌ فلانًا على كذا يَلُومُه لَوْمًا ـ بوِزَانِ قالَ يقولُ قَوْلًا ـ ولَوْمَةً، ومَلاَمَةً، وإذا أَرَدْتَ المبالغةَ قلتَ: لَوَّمَهُ، بتشديدِ الواوِ، (يَعْذِلُ) العَذْلُ ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ هو اللَّوْمُ، وفِعْلُه مِن بابِ ضَرَبَ، (يَلْحَوْنَهُ) تقولُ: لَحَا فلانٌ فُلانًا يَلْحُوهُ ـ مثلُ دعاهُ يَدْعُوه ـ ولَحَاهُ يَلْحَاهُ ـ مثلُ نَهَاهُ يَنْهَاهُ ـ إذا لاَمَهُ وعَذَلَه.

الإعرابُ: (يَلُومُونَنِي) فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ بِثُبُوتِ النونِ، والواوُ حرفٌ دالٌّ على الجماعةِ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ به لِيَلُومُ، (في اشْتِرَاءِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَلُومُ، واشتراءِ مضافٌ (والنخيلِ) مضافٌ إليه، (أَهْلِي) أهل: فاعلُ يَلُومُ، وأهل مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (فكُلُّهُم) كلُّ: مبتدأٌ وكلُّ مضافٌ وهم: مضافٌ إليه، (يَعْذِلُ) فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى كلُّ الواقعِ مبتدأً، والجملةُ مِن يَعْذِلُ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (يَلُومُونَنِي .. أهلي) حيثُ وَصَلَ واوَ الجماعةِ بالفعلِ، معَ أن الفاعلَ اسمٌ ظاهرٌ مذكورٌ بعدَ الفعلِ، وهذه لُغَةُ طَيِّئٍ، وقيلَ: لُغَةُ أَزْدِ شَنُوءَةَ.

ويَذْكُرُ النُّحَاةُ معَ هذا الشاهدِ والذي قبلَه قولَ الشاعِرِ (وهو أبو فِرَاسٍ الحَمْدَانِيِّ) .

نَتَجَ الرَّبِيعُ مَحَاسِنًا ... أَلْقَحْنَهَا غُرُّ السَّحَائِبْ

ومثلُه قولُ (تَمِيمٍ) وهو من شعراءِ اليَتِيمَةِ:

إلى أنْ رَأَيْتُ النَّجْمَ وَهْوَ مُغَرِّبٌ ... وأَقْبَلْنَ رَايَاتُ الصباحِ مِنَ الشرقِ

فقد وصَلَ كلٌّ منهما نونَ النِّسْوَةِ بالفعلِ، معَ أنَّ الفاعلَ اسمٌ ظاهرٌ مذكورٌ بعدَه، وهو قولُه: (غُرُّ السَّحَائِبِ) في الأوَّلِ، و (راياتُ الصباحِ) في الثاني.

وكذلك قولُ عمرِو بنِ مِلْقَطٍ:

أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القفَا ... أَوْلَى فَأَوْلَى لَكَ ذَا واقِيَهْ

فقد وَصَلَ ألفَ الاثنيْنِ بالفعلِ في قَوْلِهِ: (أُلْفِيتَا) معَ كونِه مُسْنَدًا إلى المثنَّى الذي هو قولُه: (عَيْنَاكَ) .

وكذلك قولُ عُرْوَةَ بنِ الوَرْدِ:

وأَحْقَرُهُمْ وأَهْوَنُهُمْ عَلَيْهِ ... وَإِنْ كَانَا لَهُ نَسَبٌ وَخِيرُ

فقد أَلْحَقَ ألفَ الاثنيْنِ بالفعلِ في قَوْلِهِ: (كانا) ، معَ كونِه مُسْنَدًا إلى اثنيْنِ قد عُطِفَ أحدُهما على الآخَرِ، وذلك قولُه (نَسَبٌ وخِيرُ) ، ومثلُه قولُ الآخَرِ:

نُسِيَا حاتمٌ وأَوْسٌ لَدُنْ فا ... ضَتْ عطَايَاكَ يا ابنَ عَبْدِ العزيزِ

ومَحَلُّ الاستشهادِ في قَوْلِهِ: (نُسِيَا حاتِمٌ وأَوْسٌ) وهذا ـ معَ ما أَنْشَدْنَاهُ مِن بيتِ عمرِو بنِ مِلْقَطٍ ـ يَدُلُّ على أنَّ شأنَ نائبِ الفاعلِ في هذه المسألةِ كشأنِ الفاعلِ. وسيأتي لهذه المسألةِ شواهدُ أُخْرَى في شرحِ الشاهدِ 144 الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت