فهرس الكتاب
فقَوْلُ المُصَنِّفِ: (إنَّ الحذفَ مُفَضَّلٌ على الإثباتِ) يُشْعِرُ بأنَّ الإثباتَ أيضًا جائزٌ، وليسَ كذلكَ [1] ؛ لأنَّه إنْ أرادَ به أنه مُفَضَّلٌ عليه باعتبارِ أنه ثابتٌ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وأنَّ الإثباتَ إنما جاءَ في الشِّعْرِ فصحيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ الحذفَ أكثرُ مِن الإثباتِ فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الإثباتَ قليلٌ جِدًّا.
والحذفُ قَد يأتي بلا فَصْلٍ وَمَعْ ... ضَمِيرِ ذِي المَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ [2]
قد تُحْذَفُ التاءُ مِن الفعلِ المُسْنَدِ إلى مؤنَّثٍ حقيقيٍّ مِن غيرِ فَصْلٍ، وهو قليلٌ جِدًّا، حَكَى سِيبَوَيْهِ: (قالَ فلانةُ) ، وقد تُحْذَفُ التاءُ من الفعلِ المسنَدِ إلى ضميرِ المؤنَّثِ المجازِيِّ، وهو مخصوصٌ بالشِّعْرِ؛ كقولِهِ:
146 -فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا [3]
(1) إن الذي ذَكَرَه الشارِحُ تَجَنٍّ على الناظِمِ، وإلزامٌ بمذهَبٍ معيَّنٍ قد لا يكونُ ذَهَبَ إليه في هذا الكتابِ؛ وذلك بأنَّ هذه المسألةَ خلافيَّةٌ بينَ علماءِ النحوِ؛ فمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إلْحَاقَ تاءِ التأنيثِ وعَدَمَ إلْحَاقِها جائزانِ إذا فُصِلَ بينَ الفعلِ وفاعلِه المُؤَنَّثِ بإلا، ومعَ جوازِ الأمريْن حَذْفُ التاءِ أفضلُ، وهذا هو الذي يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ عليه كلامُ الناظِمِ؛ لأنَّه صريحُ الدَّلالةِ عليه، ومن العلماءِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ حذفَ التاءِ في هذه الحالةِ أمرٌ واجبٌ لا يجوزُ العُدُولُ عنه إلاَّ في ضرورةِ الشعرِ؛ من أجلِ أنَّ الفاعلَ على التحقيقِ ليسَ هو الاسمَ الواقِعَ بعدَ إلا، ولكنه اسمٌ مُذَكَّرٌ محذوفٌ، وهو المستثنَى منه.
فإذا قلتَ: (لم يَزُرْنِي إلاَّ هِنْدٌ) فإنَّ أصلَ الكلامِ: لم يَزُرْنِي أحدٌ إلا هِنْدٌ، وأنتَ لو صَرَّحْتَ بهذا المحذوفِ على هذا التقديرِ لم يَكُنْ لكَ إلاَّ حَذْفُ التاءِ؛ لأنَّ الفاعلَ مُذَكَّرٌ، وهذا هو الذي يُرِيدُ الشارِحُ أنْ يُلْزِمَ به الناظِمَ؛ لأنَّه مَذْهَبُ الجمهورِ، وهو إلزامُ ما لا يَلْزَمُ، على أنَّ لنا في هذا التعليلِ وفي ترتيبِ الحُكْمِ عليه كلامًا لا تَتَّسِعُ له هذه العُجَالَةُ.
(2) (والحَذْفُ) مبتدأٌ، وجملةُ (قد يَأْتِي) وفاعلِه المُسْتَتِرِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (بلا فَصْلٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بيأتي، (ومَع) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، مع: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بوَقَع الآتي، ومع مضافٌ و (ضميرٍ) مضافٌ إليه، وضميرٍ مضافٌ و (ذي) بمعنى صاحِبٍ: مضافٌ إليه، وذي مضافٌ و (المجازِ) مضافٌ إليه، (في شِعْرٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقَع الآتي، (وَقَعْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الحَذْفُ، وتقديرُ البيتِ: وحَذْفُ تاءِ التأنيثِ من الفعلِ المسنَدِ إلى مُؤَنَّثٍ قد يَجِيءُ في كلامِ العربِ مِن غيرِ فَصْلٍ بينَ الفعلِ وفاعلِه، وقد وَقَعَ ذلك الحَذْفُ في الشعرِ معَ كونِ الفاعلِ ضميرًا عائدًا إلى مُؤَنَّثٍ مجازيِّ التأنيثِ.
(3) البيتُ لعامِرِ بنِ جُوَيْنٍ الطائيِّ، كما نُسِبَ في كتابِ سِيبَوَيْهِ (1/ 240) وفي شرحِ شواهدِه للأَعْلَمِ الشَّنْتَمْرِيِّ.
اللغةُ: (المُزْنَةُ) السَّحابَةُ المُثْقَلَةُ بالماءِ، (الوَدْقُ) المطرُ، وفي القرآنِ الكريمِ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} ، (أَبْقَلَ) أَنْبَتَ البَقْلَ، وهو النباتُ.
الإعرابُ: (فلا) نافيةٌ تَعْمَلُ عَمَلَ ليسَ، (مُزْنَةٌ) اسْمُها، وجملةُ (وَدَقَتْ) وفاعلِه المُسْتَتِرِ فيه العائدِ إلى مُزْنَةٌ في مَحَلِّ نصبٍ خبرُ لا، (وَدْقَهَا) وَدْقَ: منصوبٌ على المفعوليَّةِ المُطْلَقَةِ، ووَدْقَ مضافٌ وها: مضافٌ إليه، (ولا) الواوُ عاطفةٌ لِجُمْلَةٍ على جملةٍ، ولا: نافيةٌ للجنسِ تَعْمَلُ عَمَلَ إنَّ، (أَرْضَ) اسمُ لا، وجملةُ (أَبْقَلَ) وفاعلِه المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُها، (إِبْقَالَهَا) إبقالَ: مفعولٌ مطلَقٌ، وإبقالَ مضافٌ وضميرُ الغائبةِ في مَحَلِّ جرِّ مضافٍ إليه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (ولا أَرْضَ أَبْقَلَ) ؛ حيثُ حَذَفَ تاءَ التأنيثِ من الفعلِ المسنَدِ إلى ضميرِ المُؤَنَّثِ، وهذا الفعلُ هو (أَبْقَلَ) ، وهو مُسْنَدٌ إلى ضميرٍ مُسْتَتِرٍ يعودُ إلى الأرضِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ مجازِيَّةُ التأنيثِ، ويُرْوَى:
* ولا أَرْضَ أَبْقَلَتِ ابْقَالَهَا *
بنقلِ حركةِ الهمزةِ من (إِبْقَالَها) إلى التاءِ في (أَبْقَلَتْ) ، وحينَئذٍ لا شاهِدَ فيه.
ومثلُ هذا البيتِ ـ في الاستشهادِ به ـ قولُ الأعشى مَيْمُونِ بنِ قَيْسٍ:
فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ ... فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بها
ومَحَلُّ الاستشهادِ مِنه قولُه: (أَوْدَى بِهَا) ؛ حيثُ لم يُلْحِقْ تاءَ التأنيثِ بالفعلِ الذي هو قولُه: (أَوْدَى) معَ كونِه مُسْنَدًا إلى ضميرٍ مُسْتَتِرٍ عائدٍ إلى اسمٍ مُؤَنَّثٍ، وهو الحوادِثُ الذي هو جمعُ حَادِثَةٍ، وقد عَرَفْتَ أنَّ الفِعْلَ إذا أُسْنِدَ إلى ضميرٍ راجعٍ إلى مُؤَنَّثٍ وَجَبَ تأنيثُه، سواءٌ أكانَ مَرْجِعُه حقيقيَّ التأنيثِ، أم كانَ مَرْجِعُ الضميرِ مجازيَّ التأنيثِ، وتَرْكُ التاءِ حينَئذٍ مِمَّا لا يجوزُ ارْتِكَابُه إلاَّ في ضرورةِ الشعرِ، فلَمَّا اضْطُرَّ الشاعرُ في بَيْتِ الشاهدِ وفيما أَنْشَدْنَاهُ مِن قولِ الأَعْشَى ـ على الروايةِ المشهورةِ ـ حَذَفَ علامةَ التأنيثِ مِن الفِعْلِ.