فهرس الكتاب
وإذا فُصِلَ بينَ الفعلِ والفاعلِ المؤنَّثِ بـ (إلا) لم يَجُزْ إثباتُ التاءِ عندَ الجمهورِ، فتقولُ: (ما قامَ إلا هِنْدٌ، وما طَلَعَ إلا الشمسُ) ، ولا يَجُوزُ: (ما قَامَتْ إلا هِنْدٌ) ، ولا: (ما طَلَعَتْ إلا الشمسُ) ، وقد جاءَ في الشِّعْرِ؛ كقولِهِ:
145 -وما بَقِيَتْ إِلاَّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ [1]
(1) هذا عَجُزُ بَيْتٍ لذي الرُّمَّةِ ـ غَيْلاَنَ بنِ عُقْبَةَ ـ وصَدْرُهُ:
* طَوَى النَّحْزُ والأَجْرَازُ مَا في غُرُوضِهَا *
وهذا البيتُ مِن قصيدةٍ طويلةٍ، أوَّلُها قولُه:
أَمَنْزِلَتَيْ مَيٍّ سَلامٌ عَلَيْكُمَا ... هلِ الأَزْمُنُ اللاَّئِي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ
وهل يَرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ... ثلاثُ الأثَافِي والدِّيَارُ البَلاَقِعُ
اللغةُ: (النَّحْزُ) ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ الدَّفْعُ والنَّخْسُ والسَّوْقُ الشديدُ، (والأَجْرَازُ) جمعُ جَرَزٍ ـ بِزِنَةِ سَبَبٍ أو عُنُقٍ ـ وهي الأرضُ اليابسةُ لا نباتَ فيها، (غُرُوضِهَا) جمعُ غَرَضٍ ـ بفتحِ أَوَّلِهِ ـ وهو للرَّحْلِ بمنزلةِ الحِزَامِ للسَّرْجِ، والبِطَانِ للقَتَبِ، وأرادَ هنا ما تحتَه، وهو بَطْنُ الناقةِ وما حولَه، بعِلاقةِ المُجَاوَرَةِ، (الجَرَاشِعُ) جمعُ جُرْشُعٍ ـ بزِنَةِ قُنْفُذٍ ـ وهو المُنْتَفِخُ.
المعنى: يَصِفُ ناقتَه بالكَلالِ والضُّمُورِ والهُزَالِ مِمَّا أصابها من توالي السَّوْقِ، والسيرِ في الأرضِ الصُّلبةِ، حتى دَقَّ ما تحتَ غَرَضِها، ولم يَبْقَ إلا ضُلُوعُها المُنْتَفِخَةُ، فكأنه يقولُ: أصابَ هذه الناقةَ الضُّمُورُ والهُزَالُ والطَّوَى بسبِ شيئيْنِ:
أَوَّلُهُما: اسْتِحْثَاثِي لها على السيْرِ بدَفْعِها ونَخْسِها.
والثاني: أنها تَرْكُضُ في أرضٍ يابسةٍ صُلبةٍ، ليسَ بها نباتٌ، وهي مِمَّا يَشُقُّ السيْرُ فيه.
الإعرابُ: (طَوَى) فِعْلٌ ماضٍ، (النَّحْزُ) فاعلٌ، (والأَجْرَازُ) معطوفٌ على الفاعلِ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ به لِطَوَى، (في غُرُوضِها) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةٌ الموصولِ، وغُرُوضِ مضافٌ وها: ضميرٌ عائدٌ إلى الناقةِ مضافٌ إليه، (فما) نافيةٌ، (بَقِيَتْ) بَقِيَ: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (إلا) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ، (الضلوعُ) فاعلُ بَقِيَت، (الجَرَاشِعُ) صفةٌ للضُّلُوعُ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (فما بَقِيَتْ إلاَّ الضلوعُ) ؛ حيثُ دَخَلَتْ تاءُ التأنيثِ على الفعلِ؛ لأنَّ فاعلَه مُؤَنَّثٌ، معَ كونِه قد فَصَلَ بينَ الفعلِ والفاعلِ بإلا، وذلك ـ عندَ الجمهورِ ـ مما لا يجوزُ في غيرِ الشعرِ، ومثلُ هذا الشاهدِ قولُ الراجِزِ:
ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمِّ ... في حَرْبِنَا إِلاَّ بَنَاتُ الْعَمِّ