فهرس الكتاب
فإذا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تُبَيِّنُ الفاعلَ من المفعولِ جازَ تقديمُ المفعولِ وتأخيرُه، فتقولُ: (أَكَلَ مُوسَى الكُمَّثْرَى، وأَكَلَ الكُمَّثْرَى مُوسَى) [1] ، وهذا معنى قولِه: (وَأَخِّرِ المَفْعُولَ إنْ لَبْسٌ حُذِرْ) .
ومعنى قولِه: (أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ) أنه يَجِبُ أيضًا تقديمُ الفاعلِ وتأخيرُ المفعولِ إذا كانَ الفاعلُ ضميرًا غيرَ محصورٍ، نحوُ: (ضَرَبْتُ زَيْدًا) ، فإنْ كانَ ضميرًا محصورًا وَجَبَ تأخيرُه، نحوُ: (ما ضَرَبَ زيدًا إلاَّ أنا) [2] .
وما بِإِلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ [3]
(1) قد تكونُ القرينةُ الدالَّةُ على الفاعلِ مَعْنَوِيَّةً، وقد تكونُ لفظيَّةً، فالقرينةُ المعنويَّةُ كما في مثالِ الشارِحِ، وكما في قولِكَ: أَرْضَعَتِ الصُّغْرَى الكُبْرَى؛ إذ لا يجوزُ أنْ يكونَ الإرضاعُ قد حَصَلَ مِن الصُّغْرَى للكُبْرَى، كما لا يجوزُ أنْ يكونَ مُوسَى مأكولًا والكُمَّثْرَى هي الآكِلَ.
والقرينةُ اللفظيَّةُ ثلاثةُ أنواعٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ لأحدِهِما تابعٌ ظَاهِرُ الإعرابِ؛ كقولِكَ: ضَرَبَ مُوسَى الظَّرِيفُ عِيسى، فإنَّ (الظَّرِيفُ) تابعٌ لموسى، فلو رُفِعَ كانَ موسى مرفوعًا، ولو نُصِبَ كانَ موسى مَنصوبًا كذلك.
الثاني: أنْ يَتَّصِلَ بالسابقِ مِنهما ضميرٌ يعودُ على المتأخِّرِ، نحوُ قَوْلِكَ: ضَرَبَ فَتَاهُ مُوسَى، فهنا يَتَعَيَّنُ أنْ يكونَ (فتاه) مفعولًا؛ إذ لو جَعَلْتَه فاعلًا وموسى مَفعولًا لعادَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وهو لا يجوزُ، بخلافِ ما لو جَعَلْتَه مفعولًا؛ فإنَّ الضميرَ حينَئذٍ عائدٌ على متأخِّرٍ لَفْظًا مُتَقَدِّمٍ رُتْبَةً، وهو جائزٌ.
الثالِثُ: أنْ يكونَ أَحَدُهما مُؤَنَّثًا وقد اتَّصَلَتْ بالفعلِ علامةُ التأنيثِ، وذلك كقَوْلِكَ: ضَرَبَتْ مُوسَى سَلْمَى؛ فإنَّ اقترانَ التاءِ بالفِعْلِ دالٌّ على أنَّ الفاعلَ مُؤَنَّثٌ، فتَأَخُّرُهُ حينَئذٍ عن المفعولِ لا يَضُرُّ.
(2) ومن ذلك قولُ عَمْرِو بنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، وأَنْشَدْنَاهُ في مباحثِ الضميرِ:
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا ... ما قَطَّرَ الفارِسَ إلاَّ أنا
(3) (وما) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ مُقَدَّمٌ لأَخِّرْ، (بإِلاَّ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْحَصَر الآتي، (أو) عاطفةٌ، (بإِنَّمَا) جَارٌّ ومَجْرُورٌ معطوفٌ على (بإِلاَّ) ، (انْحَصَرْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها صِلَةُ ما الموصولةِ، (أَخِّرْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (وقد) حرفٌ دالٌّ على التقليلِ، (يَسْبِقُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على ما، (إنْ) شرطيَّةٌ، (قَصْدٌ) فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بعدَه، والتقديرُ: إنْ ظَهَرَ قَصْدٌ، والجملةُ مِن الفعلِ المحذوفِ وفاعلِه فعلُ الشرطِ، (ظَهَرْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى قَصْدٌ، والجملةُ مِن ظَهَر المذكورِ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها؛ تَفْسِيرِيَّةٌ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ.