فهرس الكتاب
وأَخِّرِ المَفْعُولَ إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ ... أو أُضْمِرَ الفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ [1]
يَجِبُ تقديمُ الفاعلِ على المفعولِ إذا خِيفَ الْتِبَاسُ أَحَدِهما بالآخَرِ؛ كما إذا خَفِيَ الإعرابُ فيهما ولم تُوجَدْ قَرينةٌ تُبَيِّنُ الفاعلَ مِن المفعولِ، وذلك نحوُ: (ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى) ، فيَجِبُ كونُ (موسى) فاعلًا و (عيسى) مفعولًا.
وهذا مَذْهَبُ الجمهورِ، وأجازَ بعضُهم تقديمَ المفعولِ في هذا ونحوِه، قالَ: لأنَّ العربَ لها غَرَضٌ في الالتباسِ كما لها غَرَضٌ في التَّبْيِينِ [2] .
(1) (وأَخِّرِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (المفعولَ) مفعولٌ به لأَخِّر، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (لَبْسٌ) نائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ المذكورُ بعدَه، والجملةُ من الفعلِ المحذوفِ وفاعلِهِ في مَحَلِّ جزمٍ فعلُ الشرطِ، (حُذِرْ) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى لَبْسٌ، والجملةُ مِن حُذِر المذكورِ ونائبِ فاعلِه لا مَحَلَّ لها؛ تَفْسِيرِيَّةٌ، (أو) عاطفةٌ، (أُضْمِرَ) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، (الفاعلُ) نائبُ فاعلِ أُضْمِرَ، (غَيْرَ) حالٌ مِن قولِه: الفاعلُ، وغيرَ مضافٌ و (مُنْحَصِرْ) مضافٌ إليه، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وسُكِّنَ لأجلِ الوَقْفِ.
(2) الذي ذَكَرَ ذلك هو ابنُ الحَاجِّ، وقد أَخْطَأَ الجَادَّةَ؛ فإنَّ العربَ لا يُمْكِنُ أنْ يكونَ مِن أغراضِها الإلباسُ؛ إذ مِن شأنِ الإلباسِ أنْ يُفْهِمَ السامعَ غيرَ ما يُرِيدُ المتكلِّمُ، ولم تُوضَعِ اللغةُ إلا للإفهامِ، وما ذَكَرَه ابنُ الحاجِّ لِتَدْعِيمِ حُجَّتِهِ مِمَّا جاءَ عن العربِ كُلُّه ليسَ مِن الإلباسِ في شيءٍ، وإنما هو من بابِ الإجمالِ، فلمَّا الْتَبَسَ عليه الفرقُ بينَ الإلباسِ والإجمالِ لم يُفَرِّقْ بينَ حُكْمِهِما، والفرقُ بينَهما أنَّ الإجمالَ هو احتمالُ اللفظِ لمعنييْنِ أو أكثرَ، مِن غيرِ أنْ يَسْبِقَ أحدُ المعنييْنِ إلى ذِهْنِ السامِعِ، ألاَ تَرَى أنكَ لو سَمِعْتَ كَلِمَةَ (عُمَيْرٍ) ـ بزِنَةِ التصغيرِ ـ لاحْتَمَلَ عِنْدَكَ أنْ يكونَ تصغيرَ عُمَرَ، كما يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ تَصْغِيرَ عَمْرٍو، بدونِ أنْ يكونَ أَحَدُهما أَسْبَقَ إلى ذِهْنِكَ مِن الآخرِ، فأمَّا الإلباسُ فهو احتمالُ اللفظِ لمعنييْنِ أو أكثرَ معَ تَبَادُرِ غيرِ المقصودِ مِنهما إلى ذِهْنِ السامِعِ.
وذلك كما في المثالِ الذي ذَكَرَه الشارِحُ، ألاَ تَرَى أنك لو قلتَ: (ضَرَبَ موسى عيسى) لاحْتَمَلَ هذا الكلامُ أنْ يكونَ موسى مضروبًا، ولكنَّه يَسْبِقُ إلى ذِهْنِكَ أنه ضارِبٌ؛ بسببِ أنَّ الأصلَ أنْ يكونَ الفاعلُ وَالِيًا لِفِعْلِهِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يكونَ الإلباسُ مِن مقاصِدِ البُلَغَاءِ، فافْهَمْ ذلك وتَدَبَّرْهُ.