الصفحة 324 من 811

الأصلُ أنْ يَلِيَ الفاعلُ الفعلَ مِن غيرِ أنْ يَفْصِلَ بينَه وبينَ الفعلِ فاصلٌ؛ لأنَّه كالجزءِ منه؛ ولذلك يُسَكَّنُ له آخِرُ الفعلِ إنْ كانَ ضميرَ مُتَكَلِّمٍ أو مُخَاطَبٍ، نحوُ: (ضَرَبْتُ وضَرَبْتَ) ، وإنما سَكَّنُوه كراهةَ توالي أَرْبَعِ مُتَحَرِّكاتٍ، وهم إنما يَكْرَهُونَ ذلك في الكَلِمَةِ الواحدةِ؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ الفاعلَ معَ فِعْلِه كالكَلِمَةِ الواحدةِ.

والأصلُ في المفعولِ أنْ يَنْفَصِلَ من الفعلِ بأنْ يَتَأَخَّرَ عن الفاعلِ، ويَجُوزُ تقديمُه على الفاعلِ إنْ خلا مما سَيَذْكُرُهُ، فتقولُ: (ضَرَبَ زيدًا عمرٌو) ، وهذا معنى قولِهِ: (وقدْ يُجَاءُ بخِلافِ الأصلِ) .

وأشارَ بقولِهِ: (وقدْ يَجِي المفعولُ قبلَ الفعلِ) إلى أنَّ المفعولَ قد يَتَقَدَّمُ على الفعلِ، وتحتَ هذا قسمانِ:

أحدُهما: ما يَجِبُ تقديمُه، وذلك [1] كما إذا كانَ المفعولُ اسمَ شرطٍ، نحوُ: (أيًّا تَضْرِبْ أَضْرِبْ) ، أو اسمَ استفهامٍ، نحوُ: (أيَّ رَجُلٍ ضَرَبْتَ) ؟ أو ضميرًا منفصِلًا لو تَأَخَّرَ لَزِمَ اتِّصَالُه، نحوُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فلو أُخِّرَ المفعولُ لَزِمَ الاتصالُ، وكانَ يُقالُ: (نَعْبُدُكَ) ، فيَجِبُ التقديمُ، بخلافِ قولِكَ: (الدِّرْهَمُ إيَّاهُ أَعْطَيْتُكَ) ؛ فإنَّه لا يَجِبُ تقديمُ (إيَّاه) ؛ لأنك لو أَخَّرْتَه لَجَازَ اتِّصَالُه وانفصالُه على ما تَقَدَّمَ في بابِ المُضْمَرَاتِ، فكُنْتَ تقولُ: (الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُكَهُ وأَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ) .

والثاني: ما يَجُوزُ تقديمُه وتأخيرُه، نحوُ: (ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا) ، فتقولُ: (عَمرًا ضَرَبَ زيدٌ) [2] .

(1) يَجِبُ تقديمُ المفعولِ به على الفعلِ العاملِ فيه في ثلاثةِ مواضِعَ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ مَوْضِعَيْنِ منها من غيرِ ضَبْطٍ:

المَوْضِعُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المفعولُ واحدًا مِن الأشياءِ التي يَجِبُ لها التصدُّرُ، وذلك بأنْ يكونَ اسمَ شرطٍ أو اسمَ استفهامٍ، أو يكونَ المفعولُ (كم) الخبريَّةَ، نحوُ: كم عَبِيدٍ مَلَكْتَ. أو مُضافًا إلى واحدٍ مما ذُكِرَ، نحوُ: غلامَ مَن تَضْرِبْ أَضْرِبْ، ونحوُ: غلامَ مَن ضَرَبْتَ؟ ونحوُ: مالَ كم رَجُلٍ غَصَبْتَ.

الموضِعُ الثاني: أنْ يكونَ المفعولُ ضميرًا منفصلًا في غيرِ بابِ (سَلْنِيهِ) و (خِلْتَنِيهِ) اللذيْن يجوزُ فيهما الفصلُ والوصلُ معَ التأخيرِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

المَوْضِعُ الثالِثُ: أنْ يكونَ العاملُ في المفعولِ وَاقِعًا في جوابِ (أمَّا) ، وليسَ مَعَنا ما يَفْصِلُ بينَ (أمَّا) والفعلِ مِن معمولاتِه سِوَى هذا المفعولِ، سواءٌ أكانَتْ (أمَّا) مذكورةً في الكلامِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} ، أم كانَتْ مُقَدَّرَةً، نحوُ قولِه سُبْحَانَهُ: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} ، فإنْ وُجِدَ ما يكونُ فاصلًا بينَ (أمَّا) والفعلِ سِوَى المفعولِ لم يَجِبْ تقديمُ المفعولِ على الفِعْلِ، نحوُ قولِكَ: أمَّا اليومَ فأَدِّ وَاجِبَكَ.

والسرُّ في ذلك أنَّ (أمَّا) يَجِبُ أنْ يُفْصَلَ بينَها وبينَ الفاءِ بمفردٍ، فلا يجوزُ أنْ تَقَعَ الفاءُ بعدَها مباشرةً، ولا أنْ يُفْصَلَ بينَها وبينَ الفاءِ بجملةٍ؛ كما سيأتي بَيَانُه في بابِها.

(2) بَقِيَتْ صورةٌ أُخْرَى، وهي أنه قد يَجِبُ تأخيرُ المفعولِ عن الفعلِ، وذلك في خمسةِ مَوَاضِعَ:

الأولى: أنْ يكونَ المفعولُ مَصْدرًا مُؤَوَّلًا من أنَّ المُؤَكِّدَةِ ومَعْمُولَيْها؛ مُخَفَّفَةً كانَتْ (أنَّ) أو مُشَدَّدَةً، نحوُ قولِكَ: عَرَفْتُ أنَّكَ فاضلٌ، ونحوُ قولِه تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} ، إلاَّ أنْ تَتَقَدَّمَ عليه (أمَّا) ، نحوُ قولِكَ: أمَّا أَنَّكَ فاضلٌ فعَرَفْتُ.

المَوْضِعُ الثاني: أنْ يكونَ الفعلُ العاملُ فيه فِعْلَ تعجُّبٍ، نحوُ قولِكَ: ما أَحْسَنَ زَيْدًا، وما أَكْرَمَ خَالِدًا.

الموضِعُ الثالِثُ: أنْ يكونَ الفعلُ العاملُ فيه صِلَةً لحرفٍ مصدريٍّ ناصِبٍ ـ وذلك أنْ وكي ـ نحوُ قولِكَ: يُعْجِبُنِي أنْ تَضْرِبَ زَيْدًا، ونحوُ قولِكَ: جِئْتُ كي أَضْرِبَ زَيْدًا، فإنْ كانَ الحرفُ المصدريُّ غيرَ ناصبٍ لم يَجِبْ تأخيرُ المفعولِ عن العاملِ فيه، نحوُ قولِكَ: وَدِدْتُ لو تَضْرِبُ زَيْدًا، يجوزُ أنْ تقولَ: وَدِدْتُ لَو زَيْدًا تَضْرِبُ، ونحوُ قَوْلِكَ: يُعْجِبُنِي ما تَضْرِبُ زَيْدًا، فيجوزُ أنْ تقولَ: يُعْجِبُنِي ما زَيْدًا تَضْرِبُ.

المَوْضِعُ الرابِعُ: أنْ يكونَ الفعلُ العاملُ فيه مَجْزُومًا بجَازِمٍ ما، وذلك كقولِكَ: لم تَضْرِبْ زَيْدًا، لا يجوزُ أنْ تقولَ: لم زَيْدًا تَضْرِبْ. فإنْ قَدَّمْتَ المفعولَ على الجازِمِ؛ فقُلْتَ: زَيْدًا لم تَضْرِبْ ـ جازَ.

الموضِعُ الخامِسُ: أنْ يكونَ الفعلُ العاملُ منصوبًا بلن عندَ الجمهورِ، أو بإِذَنْ عندَ غيرِ الكِسَائِيِّ، نحوُ قولِكَ: لن أَضْرِبَ زَيْدًا، ونحوُ قولِكَ: إذنْ أُكْرِمَ المُجْتَهِدَ، فلا يجوزُ أنْ تقولَ: لن زَيْدًا أَضْرِبَ. كما لا يجوزُ عندَ الجمهورِ أنْ تقولَ: إِذَنِ المجتهدَ أُكْرِمَ، وأجازَ الكِسَائِيُّ أنْ تقولَ: إِذَنِ المُجْتَهِدَ أُكْرِمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت