فهرس الكتاب
وقولُه:
152 -جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ جَزَاءَ الكِلابِ العاوياتِ وقدْ فَعَلْ [1]
وقولُه:
153 -جَزَى بَنُوهُ أَبَا الغِيلانِ عَنْ كِبَرٍ ... وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ [2]
(1) البيتُ لأبي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، يَهْجُو عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ، وقد نَسَبَه ابنُ جِنِّيٍّ إلى النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ، وهو انتقالُ ذِهْنٍ من أبي الفتحِ، وسَبَبُه أنَّ للنابغةِ الذُّبيانِيِّ قصيدةً على هذا الرَّوِيِّ.
اللغةُ: (جَزَاءَ الكِلاَبِ العَاوِيَاتِ) هذا مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ، والمعنى: جزاهُ اللهُ جزاءً مثلَ جزاءِ الكلابِ العاوياتِ، ويُرْوَى: (الكلابِ العادياتِ) بالدالِ بِدَالَ الواوِ ـ وهو جمعُ عَادٍ، والعادي: اسمُ فاعلٍ مِن عَدَا يَعْدُو، إذا ظَلَمَ وتَجَاوَزَ قَدْرَه، (وقد فَعَلْ) يريدُ أنه تعالى اسْتَجَابَ فيه دُعَاءَهُ، وحَقَّقَ فيه رَجَاءَهُ.
المعنى: يَدْعُو على عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ بأنْ يَجْزِيَهُ اللهُ جَزَاءَ الكِلابِ، وهو أنْ يَطْرُدَهُ الناسُ ويَنْبِذُوهُ ويَقْذِفُوه بالأحجارِ، ثمَّ يقولُ: إنه سُبْحَانَهُ قد اسْتَجَابَ دعاءَه عليه.
الإعرابُ: (جَزَى) فِعْلٌ ماضٍ، (ربُّه) فاعلٌ ومضافٌ إليه، (عَنِّي) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بجَزَى، (عَدِيَّ) مفعولٌ به لِجَزَى، (ابنَ) صفةٌ لِعَدِيَّ، وابنَ مضافٌ و (حاتمٍ) مضافٌ إليه، (جَزَاءَ) مفعولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لنوعِ عاملِه، وهو جَزَى، وجزاءَ مضافٌ و (الكلابِ) مضافٌ إليه، (العَاوِيَاتِ) صفةٌ لِلكلابِ، (وقد) الواوُ للحالِ، قد: حَرْفُ تَحْقِيقٍ، (فَعَلْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفتحِ لا مَحَلَّ له، وسُكِّنَ لأجلِ الوقفِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على رَبُّهُ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (جَزَى رَبُّهُ ... عَدِيَّ) حيثُ أَخَّرَ المفعولَ، وهو قولُه: (عَدِيَّ) ، وقَدَّمَ الفاعلَ، وهو قولُه: (رَبُّهُ) معَ اتصالِ الفاعلِ بضميرٍ يعودُ على المفعولِ.
(2) نَسَبُوا هذا البيتَ لِسليطِ بنِ سَعْدٍ، ولم أَقِفْ له على سابقٍ أو لاحِقٍ.
اللغةُ: (أَبَا الغِيلانِ) كُنْيَةٌ لرَجُلٍ لم أَقِفْ على تعريفٍ له، (سِنِمَّارُ) بكسرِ السينِ والنونِ بعدَهما ميمٌ مُشَدَّدَةٌ: اسمُ رجلٍ رُومِيٍّ، يقالُ: إنه الذي بَنَى الخَوَرْنَقَ ـ وهو القصرُ الذي كانَ بظاهرِ الكُوفَةِ ـ للنُّعمانِ بنِ امْرِئِ الْقَيْسِ مَلِكِ الحِيرَةِ، وإنه لَمَّا فَرَغَ مِن بِنائِه أَلْقَاهُ النُّعْمَانُ مِن أعلى القصرِ؛ لئلاَّ يَعْمَلَ مثلَه لِغَيْرِه، فَخَرَّ مَيِّتًا، وقد ضَرَبَتْ به العربُ المَثَلَ في سُوءِ المُكَافَأَةِ، يقولونَ: (جَزَانِي جَزَاءَ سِنِمَّارَ) قالَ الشاعرُ:
جَزَتْنَا بَنُو سَعْدٍ بِحُسْنِ فِعَالِنَا ... جَزَاءَ سِنِمَّارٍ وما كانَ ذَا ذَنْبِ
(انْظُرِ المَثَلَ رَقْمَ 828 في مَجْمَعِ الأمثالِ 1/ 159 بتحقيقِنا) .
الإعرابُ: (جَزَى) فِعْلٌ ماضٍ، (بَنُوهُ) فاعلٌ ومضافٌ إليه، (أَبَا الغِيلانِ) مفعولٌ به ومضافٌ إليه، (عن كِبَرٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِجَزَى، (وحُسْنِ فِعْلٍ) الواوُ عاطفةٌ، وحُسْنِ: معطوفٌ على كِبَرٍ، وحُسْنِ مضافٌ وفِعْلٍ: مضافٌ إليه، (كما) الكافُ للتشبيهِ، و (ما) مصدريَّةٌ، (يُجْزَى) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (سِنِمَّارُ) نائبُ فاعلِ يُجْزَى، و (ما) ومَدْخُولُها في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالكافِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صفةٍ لِمَوْصُوفٍ محذوفٍ يَقَعُ مفعولًا مُطْلَقًا مُبَيِّنًا لِنَوْعِ (جَزَى) ، وتقديرُ الكلامِ: جَزَى بَنُوهُ أبا الغيلانِ جَزَاءً مُشَابِهًا لِجَزَاءِ سِنِمَّارَ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (جَزَى بَنُوهُ أَبَا الغِيلانِ) ؛ حيثُ أَخَّرَ المفعولَ، وهو قولُه: (أَبَا الغِيلاَنِ) عن الفاعلِ، وهو قولُه: (بَنُوُه) ، معَ أنَّ الفاعلَ مُتَّصِلٌ بضميرٍ عائدٍ على المفعولِ.
هذا، ومن شواهدِ هذه المسألةِ مِمَّا لم يُنْشِدْهُ الشارِحُ ـ زيادةً على ما ذَكَرْنَاهُ في شرحِ الشاهدِ رَقْمِ 149 ـ قولُ الشاعِرِ:
وما نَفَعَتْ أَعْمَالُهُ الْمَرْءَ رَاجِيًا ... جزاءً عليها مِن سِوَى مَن له الأمرُ
حيثُ قَدَّمَ الفاعلَ ـ وهو قولُه: (أَعْمَالُهُ) ـ على المفعولِ، وهو قولُه (المَرْءَ) ، معَ أنه قد اتَّصَلَ بالفاعلِ ضميرٌ يعودُ إلى المفعولِ، فجملةُ ما أَنْشَدَهُ الشارِحُ وأَنْشَدْنَاهُ لهذه المسألةِ ثمانِيَةُ شَوَاهِدَ.
ولكثرةِ شَوَاهِدِ هذه المسألةِ نَرَى أنَّ ما ذَهَبَ إليه الأخفشُ ـ وتابَعَه عليه أبو الفتحِ بنُ جِنِّيٍّ، والإمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ، وأبو عبدِ اللهِ الطوالُ، وابنُ مَالِكٍ، والمُحَقِّقُ الرَّضِيُّ ـ مِن جوازِ تقديمِ الفاعلِ المتَّصِلِ بضميرٍ يعودُ إلى المفعولِ، وهو القولُ الخَلِيقُ بأنْ تَأْخُذَ به وتَعْتَمِدَ عليه، ونَرَى أنَّ الإنصافَ واتِّبَاعَ الدليلِ يُوجِبَانِ علينا أنْ نُوَافِقَ هؤلاء الأَئِمَّةَ على ما ذَهَبُوا إليه، وإنْ كانَ الجمهورُ على خِلافِه؛ لأنَّ التمسُّكَ بالتعليلِ معَ وُجُودِ النصِّ على خِلافِه مِمَّا لا يجوزُ، وأحكامُ العربيَّةِ يُقْضَى فيها على وَفْقِ ما تَكَلَّمَ به أهلُها.