فهرس الكتاب
150 -كَسَا حِلْمُهُ ذَا الحِلْمِ أثوابَ سُؤْدَدٍ ورَقَّى نَدَاهُ ذَا النَّدَى في ذُرَى المَجْدِ [1]
وقولُه:
151 -ولوْ أَنَّ مَجْدًا أَخْلَدَ الدَّهْرَ وَاحِدًا مِن الناسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطْعِمَا [2]
(1) البيتُ مِن الشواهِدِ التي لا يُعْلَمُ قائِلُها.
اللغةُ: (كَسَا) فعلٌ يَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ ليسَ أَصْلُهما المبتدأَ والخبرَ، تقولُ: كَسَوْتُ مُحَمَّدًا جُبَّةً، كما تقولُ: أَلْبَسْتُ عَلِيًّا قَمِيصًا، (حِلْمُهُ) الحِلْمُ: الأَنَاةُ والعقلُ، وهو أيضًًا تأخيرُ العقوبةِ وعَدَمُ المعاجلةِ فيها، (سُؤْدَدٍِ) هو السيادةُ، (وَرَقَّى) بتضعيفِ القافِ: أصلُ معناه؛ جَعْلُه يَرْقَى؛ أي: يَصْعَدُ، والمِرْقَاةُ: السُّلَّمُ الذي به تَصْعَدُ مِن أسفلَ إلى أعلى، والمرادُ رَفَعَه وأَعْلَى مَنْزِلَتَه مِن بينِ نُظَرَائِهِ، (النَّدَى) المرادُ به الجُودُ والكَرَمُ، (ذُرَى) بضمِّ الذالِ: جمعُ ذِرْوَةٍ، وهي أعلى الشيءِ.
الإعرابُ: (كَسَا) فِعْلٌ ماضٍ، (حِلْمُهُ) حِلْمُ: فاعلُ كَسَا، وحلمُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (ذا الحِلْمِ) ذا: مفعولٌ أوَّلُ لِكَسَا، وذا مضافٌ والحِلْمِ مضافٌ إليه، (أَثْوَابَ سُؤْدَدٍ) أثوابَ: مفعولٌ ثانٍ لِكَسَا، وأثوابَ مُضافٌ وسُؤْدَدٍ مضافٌ إليه، (وَرَقَّى) فِعْلٌ ماضٍ، (نَدَاهُ) فاعلٌ ومضافٌ إليه، (ذا النَّدَى) مفعولٌ به ومضافٌ إليه، (في ذُرَى) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَّى، وذُرَى مضافٌ و (المَجْدِ) مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (كَسَا حِلْمُهُ ذا الحِلْمِ ... ورَقَّى نَدَاهُ ذَا النَّدَى) ؛ فإنَّ المفعولَ فيهما مُتَأَخِّرٌ عن الفاعلِ، معَ أنَّ الفاعلَ مضافٌ إلى ضميرٍ يعودُ على المفعولِ، فيكونُ فيه إعادةُ الضميرِ على متأخِّرٍ في اللفظِ والرتبةِ جميعًا، وذلك لا يجوزُ عندَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، خِلافًا لابنِ جِنِّيٍّ ـ تَبَعًا للأخفشِ، وللرَّضِيِّ، وابنِ مالكٍ في بعضِ كُتُبِهِ.
كذا قالُوا، ونحنُ نَرَى أنه لا يَبْعُدُ ـ في هذا البيتِ ـ أنْ يكونَ الضميرُ في (حِلْمُهُ ونَدَاهُ) عائدًا على ممدوحٍ ذُكِرَ في أبياتٍ تَقَدَّمَتِ البيتَ الشاهدَ، فيكونُ المعنى: أنَّّ حِلْمَ هذا الممدوحِ هو الذي أَثَّرَ فيمَن تَرَاهُمْ مِن أصحابِ الحِلْمِ، إذا ائْتَسَوْا به وجَعَلُوه قُدْوَةً لهم، واسْتَمَرَّ تأثيرُه فيهم حتى بَلَغُوا الغايةَ من هذه الصفةِ، وأنَّ نَدَى هذا الممدوحِ أَثَّرَ كذلك فيمَن تَرَاهُم من أصحابِ الجُودِ، فافْهَمْ وأَنْصِفْ.
وشواهِدُ المسألةِ كثيرةٌ، فليسَ بضَائِرٍ أنْ يَبْطُلَ الاستدلالُ بواحدٍ مِنها.
(2) البيتُ لشاعرِ الأنصارِ سَيِّدِنَا حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، يَرْثِي مُطْعِمَ بنَ عَدِيِّ بنِ نَوْفَلِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ، أحدَ أجوادِ مَكَّةَ، وأَوَّلُ هذه القصيدةِ قولُه:
أَعَيْنِ أَلاَ ابْكِي سَيِّدَ النَّاسِ وَاسْفَحِي ... بِدَمْعٍ فإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدَّمَا
اللغةُ: (أَعَيْنِ) أراد: َ يا عَيْنِي، فحَذَفَ ياءَ المتكلِّمِ اكتفاءً بالكسرةِ التي قبلَها، (اسْفَحِي) أَسِيلِي وصُبِّي، (أَنْزَفْتِهِ) أَنْفَذْتِ دَمْعَكِ فلم يَبْقَ منه شيءٌ، (أَخْلَدَ) كَتَبَ له الخُلُودَ، ودوامَ البقاءِ.
المعنى: يريدُ أنه لا بَقَاءَ لأحدٍ في هذه الحياةِ مهما يَكُنْ نافعًا لمجموعِ البشرِ.
الإعرابُ: (لو) شرطيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (أنَّ) حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (مَجْدًا) اسمُ أنَّ، وجملةُ (أَخْلَدَ) معَ فاعلِه المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ أنَّ، وأنَّ معَ ما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على أنه فاعلٌ لِفِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: لو ثَبَتَ إِخْلاَدُ مَجْدٍ صَاحِبَه، وهذا الفعلُ هو فعلُ الشرطِ، (الدَّهْرَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزَّمَانِيَّةِ، وعاملُه أَخْلَدَ، (وَاحِدًا) مفعولٌ به لأَخْلَدَ، (من الناسِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِفَةٌ لواحدٍ، (أَبْقَى) فِعْلٌ ماضٍ، (مَجْدُهُ) مَجْدُ: فاعلُ أَبْقَى، ومَجْدُ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى مُطْعِمٍ المُتَأَخِّرِ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن أَبْقَى وفاعلِه ومفعولِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ جوابُ (لو) ، (مُطْعِمَا) مفعولٌ به لأَبْقَى.
الشاهدُ فيه: قولُه: (أَبْقَى مَجْدُهُ مُطْعِمَا) ؛ حيثُ أَخَّرَ المفعولَ ـ وهو قولُه: مُطْعِمَا ـ عن الفاعلِ، وهو قولُه: (مَجْدُهُ) ، معَ أنَّ الفاعلَ مضافٌ إلى ضميرٍ يعودُ على المفعولِ، فيَقْتَضِي أنْ يَرْجِعَ الضميرُ إلى مُتَأَخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً.