الصفحة 331 من 811

وهذه المسألةُ ممنوعةٌ عندَ جمهورِ النحْويِّينَ، وما وَرَدَ من ذلك تَأَوَّلُوهُ، وأَجَازَها أبو عبدِ اللهِ الطوالُ مِن الكُوفِيِّينَ، وأبو الفتحِ بنُ جِنِّيٍّ، وتَابَعَهما المصنِّفُ [1] ، ومِمَّا وَرَدَ من ذلك قولُه:

149 -لَمَّا رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَبًا ذُعِرُوا ... وكادَ لو سَاعَدَ المَقْدُورُ يَنْتَصِرُ [2]

وقولُه:

(1) ذَهَبَ إلى هذا الأخفشُ أيضًًا، وابنُ جِنِّيٍّ تابعٌ فيه له، وقد أَيَّدَهُما في ذلك المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ، قالَ: (والأَوْلَى تَجْوِيزُ ما ذَهَبَا إليه، ولكِنْ على قِلَّةٍ، وليسَ للبَصْرِيَّةِ مَنْعُه معَ قولِهم في بابِ التنازُعِ بما قالُوا) . اهـ. وهو يُشِيرُ إلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ في التنازُعِ مِن تَجْوِيزِهِم إعمالَ العاملِ الثاني المتأخِّرِ في لفظِ المعمولِ، وإعمالَ المتقدِّمِ من العامليْنِ في ضَمِيرِهِ؛ إذ فيه عَوْدُ الضميرِ على المتأخِّرِ.

(2) البيتُ لأحدِ أصحابِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَرْثِيهِ.

اللغةُ: (طَالِبُوهُ) الذين قَصَدُوا قِتَالَه، (ذُعِرُوا) أَخَذَهُمُ الخوفُ، (كادَ يَنْتَصِرُ) ؛ لأنَّ خَوْفَهم منه أَعْظَمُ وسيلةٍ لانتصارِه عليهم، وهو مأخوذٌ مِن قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) ).

الإعرابُ: (لَمَّا) ظرفٌ بمعنى حِينَ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بذُعِرَ الآتي، (رَأَى) فِعْلٌ ماضٍ، (طَالِبُوهُ) طَالِبُو: فاعلُ رَأَى، وطَالِبُو مضافٌ والضميرُ العائدُ إلى مُصْعَبٍ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن رَأَى وفاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ لَمَّا الظرفيَّةِ إليها، (مُصْعَبًا) مفعولٌ به لِرَأَى، (ذُعِرُوا) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ فاعلٍ، (وكادَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسْمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى مُصْعَبٍ، (لو) شرطيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (سَاعَدَ المَقْدُورُ) فعلٌ وفاعلٌ، وهو شَرْطُ لو، (يَنْتَصِرُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى مُصْعَبٍ، والجملةُ مِن يَنْتَصِرُ وفاعلِه في مَحَلِّ نَصْبٍ خبرُ كادَ، وجوابُ لو محذوفٌ يَدُلُّ عليه خبرُ كادَ، وجملةُ الشرطِ والجوابِ لا مَحَلَّ لها؛ اعتراضيَّةٌ بينَ كادَ واسمِها وبينَ خَبَرِها.

الشاهدُ فيه: قولُه: (رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَبًا) ؛ حيثُ أَخَّرَ المفعولَ عن الفاعِلِ، معَ أنَّ معَ الفاعلِ ضَمِيرًا يعودُ على المفعولِ، فعادَ الضميرُ على متأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، ومِن شواهدِ هذه المسألةِ ـ مِمَّا لم يَذْكُرْهُ الشارِحُ ـ قولُ الشاعِرِ:

لَمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَبًا ... أَدَّى إِلَيْهِ الكَيْلَ صَاعًا بِصَاعْ

وقولُ الآخَرِ:

أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَلُومَنَّ قَوْمُهُ ... زُهَيْرًا على ما جَرَّ مِن كُلِّ جَانِبِ

وسَنُنْشِدُ في شَرْحِ الشاهِدِ رَقْمِ 153 الآتي بعضَ شواهِدَ لهذه المسألةِ، ونَذْكُرُ لكَ ما نُرَجِّحُهُ من أقوالِ العلماءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت