فهرس الكتاب
واعْلَمْ أنَّ المحصورَ بـ (إنما) لا خِلافَ في أنه لا يَجُوزُ تقديمُه، وأمَّا المحصورُ بإلاَّ ففيه ثلاثةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُها: وهو مَذْهَبُ أكثرِ البَصْرِيِّينَ والفَرَّاءِ وابنِ الأَنْبَارِيِّ، أنه لا يَخْلُو إما أنْ يكونَ المحصورُ بها فاعلًا أو مفعولًا؛ فإنْ كانَ فاعلًا امْتَنَعَ تقديمُه؛ فلا يَجُوزُ: (ما ضَرَبَ إلاَّ زيدٌ عَمْرًا) ، فأمَّا قولُه: (فلم يَدْرِ إلاَّ اللهُ ما هَيَّجَتْ لنا) [1] [147] فأُوِّلَ على أنَّ (ما هَيَّجَتْ) مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (دَرَى ما هَيَّجَتْ) لنا، فلم يَتَقَدَّمِ الفاعلُ المحصورُ على المفعولِ؛ لأنَّ هذا ليسَ مفعولًا للفعلِ المذكورِ، وإنْ كانَ المحصورُ مفعولًا جازَ تقديمُه، نحوُ: (ما ضَرَبَ إلا عمرًا زيدٌ.)
الثاني: وهو مَذْهَبُ الكِسَائِيِّ، أنه يَجُوزُ تقديمُ المحصورِ بـ (إلا) ، فاعلًا كانَ أو مفعولًا.
الثالثُ: وهو مَذْهَبُ بعضِ البَصْرِيِّينَ، واخْتَارَه الجزُولِيُّ والشَّلَوْبِينُ، أنه لا يَجُوزُ تقديمُ المحصورِ بإلاَّ فاعلًا كانَ أو مفعولًا.
وشاعَ نحوُ: (خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ) ... وشَذَّ نَحْوُ: (زانُ نَوْرُهُ الشَّجَرْ) [2]
أي: شاعَ في لِسانِ العربِ تقديمُ المفعولِ المشتمِلِ على ضميرٍ يرجِعُ إلى الفاعلِ المتأخِّرِ [3] ، وذلك نحوُ: (خافَ رَبَّهُ عُمَرُ) ، فـ (ربَّه) مفعولٌ، وقد اشْتَمَلَ على ضميرٍ يَرْجِعُ إلى (عمرُ) ، وهو الفاعلُ، وإنما جازَ ذلك وإنْ كانَ فيه عَوْدُ الضميرِ على متأخِّرٍ لَفْظًا؛ لأنَّ الفاعلَ مَنْوِيُّ التقديمِ على المفعولِ؛ لأنَّ الأصلَ في الفاعلِ أنْ يَتَّصِلَ بالفعلِ، فهو مُتَقَدِّمٌ رُتْبَةً، وإنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا.
فلو اشْتَمَلَ المفعولُ على ضميرٍ يَرْجِعُ إلى ما اتَّصَلَ بالفاعلِ، فهل يَجُوزُ تقديمُ المفعولِ على الفاعلِ؟ في ذلك خِلافٌ، وذلك نحوُ: (ضَرَبَ غُلامَهَا جارُ هِنْدٍ) ، فمَن أَجَازَهَا - وهو الصحيحُ - وَجَّهَ الجَوَازَ بأنه لَمَّا عادَ الضميرُ على ما اتَّصَلَ بما رُتْبَتُهُ التقديمُ، كانَ كَعَوْدِهِ على ما رُتْبَتُه التقديمُ؛ لأنَّ المتَّصِلَ بالمتقدِّمِ مُتَقَدِّمٌ.
وقولُه: (وشَذَّ ... إلى آخِرِه) ؛ أي: شَذَّ عَوْدُ الضميرِ مِن الفاعلِ المتقدِّمِ على المفعولِ المتأخِّرِ، وذلك نحوُ: (زانَ نَوْرُهُ الشجرَ) فالهاءُ المتَّصِلَةُ بنَوْرُ الذي هو الفاعلُ عائدةٌ على (الشَّجَرَ) ، وهو المفعولُ، وإنما شَذَّ ذلك؛ لأنَّ فيه عَوْدَ الضميرِ على متأخِّرٍ لَفظًا ورُتْبَةً؛ لأنَّ (الشَّجَرَ) مفعولٌ، وهو مُتَأَخِّرٌ لَفظًا، والأصلُ فيه أنْ يَنْفَصِلَ عن الفعلِ، فهو متأخِّرٌ رُتْبَةً.
(1) قَدَّمْنَا ذِكْرَ الكلامِ على هذا الشاهِدِ، وهو الشاهِدُ رَقْمُ 147.
(2) (وشاعَ) فِعْلٌ ماضٍ، (نحوُ) فاعلُ شاعَ، (خافَ) فِعْلٌ ماضٍ، (رَبَّهُ) رَبَّ: منصوبٌ على التعظيمِ، وربَّ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى عُمَر المتأخِّرِ لَفْظًا: مضافٌ إليه، (عُمَرْ) فاعلُ خافَ، والجملةُ مِن خافَ وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ نحوُ إليها، (وشَذَّ) فِعْلٌ ماضٍ، (نحوُ) فاعلُ شَذَّ، (زَانَ) فِعْلٌ ماضٍ، (نَوْرُهُ) نَوْرُ: فاعلُ زانَ، ونَوْرُ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى الشجرِ المتأخِّرِ لفظًا ورُتْبَةً مضافٌ إليه، (الشَّجَرْ) مفعولٌ به لِزَانَ، وجملةُ زَانَ وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ نحوُ إليها، والمرادُ بنحوِ: (خافَ رَبَّهُ عُمَرُ) : كلُّ كلامٍ اتَّصَلَ فيه ضميرُ الفاعلِ المتأخِّرِ بالمفعولِ المتقدِّمِ، والمرادُ بنحوِ: (زانَ نَوْرُهُ الشَّجَرَ) : كلُّ كلامٍ اتَّصَلَ فيه ضميرُ المفعولِ المتأخِّرِ بالفاعلِ المتقدِّمِ.
(3) من ذلك قولُ الأَعْشَى مَيْمُونٍ:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا ... فلم يَضِرْهَا وأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ