فهرس الكتاب
لئلاَّ تُخْرِجَهُما عمَّا اسْتَقَرَّ لهما في لِسانِ العربِ مِن لُزُومِ النصبِ، وكالمصادرِ التي لا تَتَصَرَّفُ، نحوُ: (مَعَاذَ اللهِ) ، فلا يَجُوزُ رَفْعُ (مَعَاذَ اللهِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ في الظرفِ.
وكذلك ما لا فائدةَ فيه مِن الظرفِ والمصدرِ والجارِّ والمجرورِ، فلا تقولُ: (سِيرَ وَقْتٌ) ، ولا (ضُرِبَ ضَرْبٌ) ، ولا (جُلِسَ في دارٍ) ؛ لأنَّه لا فائدةَ في ذلك.
ومثالُ القابِلِ مِن كُلٍّ مِنها قولُكَ: (سِيَر يَوْمُ الجُمُعَةِ، وضُرِبَ ضَرْبٌ شَدِيدٌ، ومُرَّ بزيدٍ) [1] .
(1) حاصلُ الذي أَوْمَأَ إليه الشارِحُ في هذه المسألةِ، أنه يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ جوازِ إنابةِ كلِّ واحدٍ مِن الظرفِ والمصدرِ شرطانِ: أَحَدُهما: أنْ يكونَ كلٌّ مِنهما متصرِّفًا.
وثانيهما: أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِنهما مُخْتَصًّا، فإنْ فَقَدَ أَحَدُهما واحدًا من هذين الشرطيْنِ لم تَصِحَّ نِيَابَتُه.
فالمتصرِّفُ من الظروفِ هو: ما يَخْرُجُ عن النصبِ على الظرفيَّةِ والجرِّ بمِن إلى التأثُّرِ بالعوامِلِ، كما عَلِمْتَ مِمَّا أَوْضَحْنَاهُ لكَ قَريبًا.
وأمَّا المتصرِّفُ من المصادرِ فهو: ما يَخْرُجُ عن النصبِ على المصدريَّةِ إلى التأثُّرِ بالعوامِلِ المختلفةِ، وذلك كضَرْبٍ وقَتْلٍ، وما لا يَخْرُجُ مِن المصدرِ عن النصبِ على المصدريَّةِ؛ كمَعَاذَ اللهِ؛ فإنَّه مَصْدَرٌ غيرُ متصرِّفٍ، لا يَقَعُ إلا منصوبًا على المفعوليَّةِ المُطْلَقَةِ.
وأمَّا المُخْتَصُّ من الظروفِ فهو: ما خُصَّ بإضافةٍ، أو وصفٍ، أو نَحْوِهما.
وأمَّا المُخْتَصُّ من المصادرِ فهو: ما كانَ دالاًّ على العددِ، أو على النوعِ، أمَّا نحوُ: (ضُرِبَ ضَرْبٌ) فهو غيرُ مُخْتَصٍّ ولا يجوزُ نِيَابَتُه عن الفاعلِ.
ويُشْتَرَطُ في نيابةِ الجارِّ والمجرورِ ثلاثةُ شروطٍ:
أَوَّلُها: أنْ يكونَ مُخْتَصًّا، بأنْ يكونَ المجرورُ مَعْرِفَةً أو نَحْوَها.
وثانيها: ألاَّ يكونَ حرفُ الجرِّ مُلازِمًا لطريقةٍ واحدةٍ، كمُذْ ومُنْذُ الملازميْنِ لجرِّ الزمانِ، وكحروفِ القَسَمِ الملازِمَةِ لجرِّ المُقْسَمِ به.
وثالثُها: ألاَّ يَكُونَ حرفُ الجرِّ دالاًّ على التعليلِ؛ كاللامِ، والباءِ، ومِن، إذا اسْتُعْمِلَتْ إحداها في الدَّلالةِ على التعليلِ؛ ولهذا امْتَنَعَتْ نيابةُ المفعولِ لأجلِه.