الصفحة 340 من 811

وَجَبَ عِندَ المصنِّفِ أيضًا ضَمُّه أو الإشمامُ، فتقولُ: بُعْتَ يا عَبْدُ، ولا يَجُوزُ الكسرُ، فلا تقولُ: (بِعْتُ) ؛ لئلاَّ يَلْتَبِسَ بفعلِ الفاعلِ؛ فإنَّه بالكَسْرِ فقطْ، نحوُ: (بِعْتُ الثوبَ) .

وهذا معنى قولِهِ: (وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ) ؛ أي: وإنْ خِيفَ اللَّبْسُ في شَكْلٍ من الأشكالِ السابقةِ - أعني الضمَّ والكسرَ والإشمامَ - عُدِلَ عنه إلى شَكْلٍ غيرِه لا لَبْسَ معَه.

هذا ما ذَكَرَه المصنِّفُ، والذي ذَكَرَه غيرُه أنَّ الكسرَ في الواويِّ والضمَّ في اليائيِّ والإشمامَ هو المختارُ، ولكنْ لا يَجِبُ ذلك، بل يَجُوزُ الضمُّ في الواويِّ، والكسرُ في اليائِيِّ.

وقولُه: (وما لِبَاعَ قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبْ) معناه: أنَّ الذي ثَبَتَ لِفَاءِ بَاعَ مِن جَوَازِ الضمِّ والكسرِ والإشمامِ يَثْبُتُ لِفاءِ المُضاعَفِ، نحوُ: (حَبَّ) ، فتقولُ: (حُبَّ) و (حِبَّ) ، وإنْ شِئْتَ أَشْمَمْتَ.

وما لِفَا بَاعَ لِمَا العَيْنُ تَلِي فِي اخْتَارَ وانْقَادَ وَشِبْهٍ يَنْجَلِي [1]

أي: يَثْبُتُ عندَ البناءِ للمفعولِ لِمَا تَلِيهِ العينُ مِن كلِّ فعلٍ يكونُ على وَزْنِ (افْتَعَلَ) أو (انْفَعَلَ) ، وهو مُعْتَلُّ العَيْنِ - ما يَثْبُتُ لِفاءِ (باعَ) مِن جَوَازِ الكسرِ والضمِّ، وذلك نحوُ: (اخْتَارَ وانْقَادَ) وشِبْهِهِمَا، فيَجُوزُ في التاءِ والقافِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ: الضمُّ، نحوُ: (اخْتُورَ) ، و (انْقُودَ) ، والكسرُ، نحوُ: (اخْتِيرَ) و (انْقِيدَ) ، والإشمامُ، وتُحَرَّكُ الهمزةُ بمثلِ حَرَكَةِ التاءِ والقافِ.

وقَابِلٌ مِن ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي [2]

تَقَدَّمَ أنَّ الفِعْلَ إذا بُنِيَ لِمَا لم يُسَمَّ فاعِلُه أُقِيمَ المفعولُ به مُقَامَ الفاعِلِ.

وأشارَ في هذا البيتِ إلى أنه إذا لم يُوجَدِ المفعولُ به أُقِيمَ الظرفُ أو المصدرُ أو الجارُّ والمجرورُ مُقَامَه، وشَرْطٌ في كلِّ واحدٍ مِنها أنْ يكونَ قابلًا للنيابَةِ؛ أي: صَالِحًا لها، واحْتُرِزَ بذلك مِمَّا لا يَصْلُحُ للنيابةِ؛ كالظرفِ الذي لا يَتَصَرَّفُ، والمرادُ به ما لَزِمَ النصبَ على الظرفيَّةِ [3] ، نحوُ: (سَحَرَ) إذَا أُرِيدَ بِهِ سَحَرُ يومٍ بعينِه، ونحوُ: (عِنْدَكَ) فلا تقولُ: (جُلِسَ عِنْدُكَ) ، ولا (رُكِبَ سَحَرُ) ؛

(1) (وما) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (لِفَا) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ ما الموصولةِ، وفا مضافٌ و (باعَ) قُصِدَ لَفْظُهُ: مضافٌ إليه، (لِمَا) اللامُ جارَّةٌ، وما: اسمٌ موصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جرٍّ باللامِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ، (العَيْنُ) مبتدأٌ، وجملةُ (تَلِي) وفاعلِه المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، وجملةُ هذا المبتدأِ وخبرِه لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ (ما) المجرورةِ باللامِ، (في اخْتَارَ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَلِي، (وانْقَادَ وشِبْهٍ) معطوفانِ على اختارَ، (يَنْجَلِي) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى شِبْهٍ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ نعتٌ لِشِبْهٍ.

(2) (وقَابِلٌ) مبتدأٌ، وخَبَرُه قولُه: (حَرِي) في آخِرِ البيتِ، (مِن ظرفٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقابِلٌ، (أو مِن مَصْدَرِ) معطوفٌ على الجارِّ والمجرورِ السابقِ، (أَوْ حَرْفِ جَرٍّ) معطوفٌ على مصدرِ، ومضافٌ إليه، (بِنِيَابَةٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِحَرِي، (حَرِي) خبرُ المبتدأِ الذي هو قابلٌ في أَوَّلِ البيتِ؛ كما ذَكَرْنَا مِن قَبْلُ.

(3) الظروفُ على ثلاثةِ أَنْوَاعٍ:

النوعُ الأوَّلُ: ما يَلْزَمُ النصبَ على الظرفيَّةِ، ولا يُفَارِقُها أَصْلًا، ولا إلى الجرِّ بمِن، وذلك مثلُ قَطُّ، وعَوْضُ، وإِذَا، وسَحَرَ.

والنوعُ الثاني: ما يَلْزَمُ أحدَ أمريْنِ: النَّصْبَ على الظرفيَّةِ، والجرَّ بمِن، وذلك مثلُ عِنْدَ، وثَمَّ بفتحِ الثاءِ.

وهذان النوعانِ يقالُ لكلٍّ منهما: (ظرفٌ غيرُ مُتَصَرِّفٍ) والفرقُ بينَهما ما عَلِمْتَ.

والنوعُ الثالثُ: ما يَخْرُجُ عن النصبِ على الظرفيَّةِ، وعن الجرِّ بمِن، إلى التأثُّرِ بالعواملِ المختلفةِ: كزَمَنٍ، ووَقْتٍ، وساعةٍ، ويومٍ، ودَهْرٍ، وحِينٍ، وهذا هو الظرفُ المتصرِّفُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت