فهرس الكتاب
إذا بُنِيَ الفعلُ المتعدِّي إلى مفعوليْنِ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، فإمَّا أنْ يكونَ مِن بابِ (أَعْطَى) ، أو مِن بابِ (ظَنَّ) [1] .
فإن كانَ مِن بابِ (أَعْطَى) ، وهو المرادُ بهذا البيتِ، فذَكَرَ المُصَنِّفُ أنه يَجُوزُ إقامةُ الأوَّلِ منهما، وكذلك الثاني بالاتفاقِ، فتقولُ: (كُسِيَ زَيْدٌ جُبَّةً، وأُعْطِيَ عَمْرٌو دِرْهَمًا) ، وإنْ شِئْتَ أَقَمْتَ الثانِيَ، فتقولُ: (أُعْطِيَ عَمْرًا دِرْهَمٌ، وكُسِيَ زَيدًا جُبَّةٌ) .
هذا إنْ لم يَحْصُلْ لَبْسٌ بإقامةِ الثاني، فإذا حَصَلَ لَبْسٌ وَجَبَ إقامةُ الأوَّلِ، وذلكَ نحوُ: (أَعْطَيْتُ زيدًا عَمْرًا) ، فتَتَعَيَّنُ إقامةُ الأوَّلِ، فتقولُ: (أُعْطِيَ زيدٌ عَمْرًا) ، ولا يَجُوزُ إقامةُ الثاني حينَئذٍ؛ لِئَلاَّ يَحْصُلَ لَبْسٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما يَصْلُحُ أنْ يكونَ آخِذًا، بخلافِ الأوَّلِ.
ونَقَلَ المُصَنِّفُ الاتِّفَاقَ على أنَّ الثانِيَ من هذا البابِ؛ يَجُوزُ إقامتُه عندَ أَمْنِ اللَّبْسِ، فإنْ عَنَى به أنه اتِّفَاقٌ مِن جِهَةِ النحْوِيِّينَ كلِّهم، فليسَ بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ أنه إذا كانَ الأوَّلُ مَعْرِفَةً، والثاني نَكِرَةً - تَعَيَّنَ إقامةُ الأوَّلِ، فتقولُ: (أُعْطِيَ زيدٌ دِرْهَمًا) ، ولا يَجُوزُ عندَهم إقامةُ الثاني، فلا تقولُ: (أُعْطِيَ دِرْهَمٌ زيدًا) .
(1) قد يَنْصِبُ فِعْلٌ من الأفعالِ مفعوليْنِ أَصْلُهُما مبتدأٌ وخبرٌ، نحوُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائمًا، وعَلِمْتُ أخاكَ مُسافرًا، ولا يَنْصِبُ المفعوليْنِ اللذيْنِ أَصْلُهما المبتدأُ والخبرُ إلا ظَنَّ وأَخَوَاتُها، وهذا هو مرادُ الشارِحِ هنا بقولِهِ: (بابِ ظَنَّ) وهو أيضًًا مرادُ الناظِمِ بقولِه: (في بابِ ظَنَّ وأَرَى) ؛ لأنَّ (أَرَى) تنصِبُ ثلاثةَ مفاعيلَ: أصلُ الثاني والثالِثِ منها مبتدأٌ وخبرٌ، على ما عَلِمْتَ.
وقد يَنْصِبُ فعلٌ من الأفعالِ مفعوليْنِ، وهذا على نوعيْنِ؛ لأنَّه إما أنْ يكونَ نَصْبُه لأحدِهما على نَزْعِ الخافِضِ، كما في قولِكَ: اخْتَرْتُ الرجالَ مُحَمَّدًا، وكما في قَوْلِهِ تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} ، الأصلُ: اخْتَرْتُ مِن الرجالِ مُحَمَّدًا، واختارَ موسى من قومِه سبعينَ رَجُلًا، وإمَّا أنْ يكونَ نَصْبُه للمفعوليْنِ؛ لأنَّه مِن طَبِيعَتِهِ مُتَعَدٍّ إلى اثنيْنِ، وذلك نحوُ قولِكَ: مَنَحْتُ الفقيرَ دِرْهَمًا، وأَعْطَيْتُ إبراهيمَ دِينارًا، وكَسَوْتُ مُحَمَّدًا جُبَّةً.
وهذا الضَّرْبُ الأخيرُ هو مرادُ الناظِمِ والشارِحِ ببابِ كَسَا، فهو: كلُّ فعلٍ تَعَدَّى إلى مفعوليْنِ ليسَ أَصْلُهما المبتدأَ والخبرَ، وكانَ تَعَدِّيه إليهما بنفسِه، لا بواسطةِ حذفِ حرفِ الجرِّ مِن أَحَدِهما وإيصالِ الفعلِ إلى المجرورِ.