الصفحة 345 من 811

في بابِ (ظَنَّ وأَرَى) المَنْعُ اشْتَهَرْ ... ولا أَرَى مَنْعًا إِذَا القَصْدُ ظَهَرْ [1]

يعني أنه إذا كانَ الفعلُ مُتَعَدِّيًا إلى مفعوليْنِ، الثاني منهما خَبَرٌ في الأصلِ؛ كظَنَّ وأَخَوَاتِها، أو كانَ مُتَعَدِّيًا إلى ثلاثةِ مفاعيلَ؛ كأَرَى وأَخَوَاتِها - فالأشهرُ عندَ النَّحْوِيِّينَ أنه يَجِبُ إقامةُ الأوَّلِ ويَمْتَنِعُ إقامةُ الثاني في بابِ (ظَنَّ) ، والثاني والثالثِ في بابِ (أَعْلَمَ) ، فتقولُ: (ظُنَّ زَيْدٌ قَائِمًا (، ولا يَجُوزُ(ظُنَّ زَيْدًا قائمٌ) ، وتقولُ: (أُعْلِمَ زَيْدٌ فَرَسَكَ مُسْرَجًا) ، ولا يَجُوزُ إقامةُ الثاني، فلا تقولُ: (أُعْلِمَ زَيْدًا فَرَسُكَ مُسْرَجًا) ، ولا إقامةُ الثالثِ، فتقولُ: (أُعْلِمَ زيدًا فَرَسَكَ مُسْرَجٌ) .

ونَقَلَ ابنُ أبي الرَّبِيعِ الاتِّفَاقَ على مَنْعِ إقامةِ الثالثِ، ونَقَلَ الاتِّفَاقَ أيضًا ابنُ المُصَنِّفِ، وذَهَبَ قومٌ، مِنهم المصنِّفُ، إلى أنه لا يَتَعَيَّنُ إقامةُ الأَوَّلِ، لا في بابِ (ظَنَّ) ، ولا بابِ (أَعْلَمَ) ، لكنْ يُشْتَرَطُ ألاَّ يَحْصُلَ لَبْسٌ، فتقولُ: (ظُنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وأُعْلِمَ زيدًا فَرَسُكَ مُسْرَجًا) .

وأمَّا إقامةُ الثالثِ مِن بابِ (أَعْلَمَ) فنَقَلَ ابنُ أبي الرَّبِيعِ وابنُ المُصَنِّفِ الاتِّفَاقَ على مَنْعِهِ، وليسَ كما زَعَمَا؛ فقد نَقَلَ غَيْرُهما الخِلافَ في ذلك [2] ، فتقولُ: (أُعْلِمَ زَيْدًا فَرَسَكَ مُسْرَجٌ) .

فلو حَصَلَ لَبْسٌ تَعَيَّنَ إقامةُ الأَوَّلِ في بابِ (ظَنَّ وأَعْلَمَ) ، فلا تقولُ: (ظَنَّ زيدًا عَمْرٌو) على أنَّ (عَمْرٌو) هو المفعولُ الثاني، ولا (أَعْلَمَ زيدًا خالدٌ مُنْطَلِقًا) .

وما سِوَى النَّائِبِ مِمَّا عُلِّقَا ... بالرافِعِ النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا [3]

(1) (في بابِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باشْتَهَر الآتي، وبابِ مضافٌ و (ظَنَّ) قُصِدَ لَفْظُهُ: مضافٌ إليه، (وَأَرَى) معطوفٌ على ظَنَّ، (المَنْعُ) مبتدأٌ، وجملةُ اشْتَهَر وفاعلِه المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، (ولا) نافيةٌ، (أَرَى) فعلٌ مضارعٌ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (مَنْعًا) مفعولٌ به لأَرَى، (إذا) ظرفٌ للمستقبَلِ مِن الزمانِ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (القَصْدُ) فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، والتقديرُ: إذا ظَهَرَ القَصْدُ، والجملةُ مِن الفعلِ المحذوفِ وفاعلِه المذكورِ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، (ظَهَرْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى القَصْدُ، والجملةُ مِن ظَهَرَ المذكورِ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ تَفْسِيرِيَّةٌ.

(2) حاصلُ الخلافِ الذي نَقَلَه غيرُهما أنَّ بعضَ النُّحَاةِ أَجَازَه بشرطِ ألاَّ يُوقِعَ في لَبْسٍ، كما مَثَّلَ الشارِحُ، وحكايةُ الخلافِ هو ظاهرُ كلامِ الناظِمِ في كتابِه (التسهيلِ) ، بل يُمْكِنُ أنْ يكونَ مما يُشِيرُ إليه كلامُه في الألفيَّةِ؛ لأنَّ ثالثَ مفاعيلِ أَعْلَمَ هو ثاني مفعولَيْ عَلِمَ، وقد ذُكِرَ اختلافُ النُّحَاةِ في ثاني مفعولَي عَلِمَ.

(3) (وما) اسمٌ موصولٌ: مبتدأٌ أَوَّلُ، (سِوَى النائبِ مِمَّا) مُتَعَلِّقَانِ بمحذوفٍ صلةُ ما الواقِعِ مبتدأً، (عُلِّقَا) عُلِّقَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةُ ما المجرورةِ مَحَلاًّ بمِن، (بالرافِعِ) مُتَعَلِّقٌ بقولِه: عُلِّقَ، (النَّصْبُ) مبتدأٌ ثانٍ، (له) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ الثاني، والجملةُ من المبتدأِ الثاني وخبرِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الأوَّلِ، وهو (ما) في أَوَّلِ البيتِ، (مُحَقَّقَا) حالٌ من الضميرِ المُسْتَكِنِّ في الخبرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت