فهرس الكتاب
تَقَدَّمَ أنَّ الفِعْلَ المتعدِّيَ يَصِلُ إلى مفعولِه بنفسِه، وذَكَرَ هنا أنَّ الفِعْلَ اللازِمَ يَصِلُ إلى مفعولِه بحرفِ جَرٍّ، نحوُ: (مَرَرْتُ بزيدٍ) وقد يُحْذَفُ حرفُ الجرِّ فيَصِلُ إلى مفعولِه بنفسِه، نحوُ: (مَرَرْتُ زَيْدًا) ، قالَ الشاعِرُ:
159 -تَمُرُّونَ الدِّيَارَ ولَمْ تَعُوجُوا ... كلامُكُمُ عَلَيَّ إذًا حَرَامُ [1]
أي: تَمُرُّونَ بالدِّيَارِ. ومَذْهَبُ الجمهورِ أنه لا يَنْقَاسُ حَذْفُ حرفِ الجرِّ معَ غيرِ (أنَّ) و (أنْ) ، بلْ يُقْتَصَرُ فيه على السماعِ، وذَهَبَ أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ سليمانَ البَغْدَادِيُّ، وهو الأخفشُ الصغيرُ، إلى أنه يَجُوزُ الحذفُ معَ غيرِهما قِياسًا، بشرطِ تَعَيُّنِ الحرفِ ومكانِ الحذفِ، نحوُ: (بَرَيْتُ القَلَمَ بالسكِّينِ) ، فيَجُوزُ عندَه حذفُ الباءِ، فتقولُ: (بَرَيْتُ القلمَ السِّكِّينَ) ، فإنْ لم يَتَعَيَّنِ الحرفُ لم يَجُزِ الحذفُ، نحوُ: (رَغِبْتُ في زَيْدٍ) ، فلا يَجُوزُ حذفُ (في) ؛ لأنَّه لا يُدْرَى حينَئذٍ هل التقديرُ: رَغِبْتُ عن زيدٍ أو (في زيدٍ) ، وكذلك إنْ لم يَتَعَيَّنْ مكانُ الحذفِ لم يَجُزْ، نحوُ: (اخْتَرْتُ القومَ مِن بني تَمِيمٍ) ، فلا يَجُوزُ الحذفُ، فلا تقولُ: (اخْتَرْتُ القومَ بني تَمِيمٍ) ؛ إذ لا يُدْرَى هل الأصلُ (اخْتَرْتُ القومَ من بني تَمِيمٍ) أو (اخْتَرْتُ مِن القومِ بني تَمِيمٍ) .
وأمَّا (أنَّ وأنْ) فيَجُوزُ حذفُ حرفِ الجرِّ معَهما قِياسًا مُطَّرِدًا، بشرطِ أَمْنِ اللَّبْسِ؛ كقولِكَ: (عَجِبْتُ أنْ يَدُوا) ، والأصلُ: (عَجِبْتُ مِن أنْ يَدُوا) ؛ أي: مِن أنْ يُعْطُوا الدِّيَةَ.
(1) البيتُ لِجَرِيرِ بنِ عَطِيَّةَ بنِ الخَطَفِيِّ.
اللغةُ: (تَعُوجُوا) يقالُ: عاجَ فلانٌ بالمكانِ يَعُوجُ عَوْجًا ومَعَاجًا ـ كقالَ يَقُولُ قَوْلًا ومَقَالًا ـ إذا أقامَ به، ويقالُ: عاجَ السائرُ بمكانِ كذا، إذا عَطَفَ عليه، أو وَقَفَ به، أو عَرَّجَ عليه وتَحَوَّلَ إليه، ورِوَايَةُ الدِّيوانِ:
* أَتَمْضُونَ الرُّسُومَ وَلاَ نُحَيَّا *
الإعرابُ: (تَمُرُّونَ) فِعْلٌ وفاعلٌ، (الدِّيَارَ) منصوبٌ على نَزْعِ الخافِضِ، وأصلُه: تَمُرُّونَ بالدِّيَارِ، (ولم تَعُوجُوا) الواوُ للحالِ، ولم: نافيةٌ جازِمَةٌ، تَعُوجُوا: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ بلم، وعلامةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النونِ، وواوُ الجماعةِ فاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، (كلامُكُمُ) كلامُ: مبتدأٌ، وكلامُ مضافٌ وضميرُ المُخَاطَبِينَ مُضافٌ إليه، (عَلَيَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بحرامُ الآتِي، (حَرَامُ) خبرُ المُبْتَدَأِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (تَمُرُّونَ الدِّيَارَ) حيثُ حَذَفَ الجارَّ، وأَوْصَلَ الفِعْلَ اللازِمَ إلى الاسمِ الذي كانَ مجرورًا فنَصَبَه، وأصلُ الكلامِ: (تَمُرُّونَ بالدِّيَارِ) ، ويُسَمَّى ذلك: (الحَذْفُ والإيصالُ) وهذا قاصرٌ على السماعِ، ولا يجوزُ ارْتِكَابُه في سَعَةِ الكلامِ، إلاَّ إذا كانَ المجرورُ مَصْدرًا مُؤَوَّلًا مِن (أنَّ) المُؤَكِّدَةِ معَ اسْمِها وخَبَرِها، أو مِن (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ معَ منصوبِها.
ومثلُ هذا الشاهدِ قولُ عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
غَضِبَتْ أَنْ نَظَرْتُ نَحْوَ نِسَاءٍ ... لَيْسَ يَعْرِفْنَنِي مَرَرْنَ الطَّرِيقَا
ومَحَلُّ الاستشهادِ قولُه: (مَرَرْنَ الطَّرِيقَا) ؛ حيثُ حَذَفَ حرفَ الجرِّ ثمَّ أَوْصَلَ الفعلَ اللازِمَ إلى الاسمِ الذي كانَ مجرورًا فنَصَبَه، وأصلُ الكلامِ: مَرَرْنَ بالطريقِ، وفيه شاهدٌ آخَرُ للقِيَاسِيِّ من هذا البابِ، وذلك في قَوْلِهِ (غَضِبَتْ أنْ نَظَرْتُ) ، وأصلُه: غَضِبَتْ مِن أنْ نَظَرْتُ.